ثورة تشرين الصالحة المصلحة!

حينما أعلن القوم حصارهم على الخليفة عثمان، إلى أن ظمأ من العطش، فنادى بهم: أيُّها الناس.. أسقونا شربة من الماء وأطعمونا مما رزقكم الله، فأجابه أحدهم: يا نعثل، لا والله لا تذوقه!

ما حدث مع الخليفة كثيرًا ما يذكرني بالحسين عليه السّلام، حينما حاصروه وقطعوا عنه الماء، فرفع إليهم طفلهُ يطلب منهم أن يرحموه به ويسقونه، فأردوه قتيلًا.

وهو الحال معه، عليه السلام، حينما أراد الصلاة، فبعث إليهم حبيب بن مظاهر أن يسألهم منحه بعضًا من الوقت لحين إتمام صلاته. فقال له أحدهم: وهل يقبل الله من الحسين صلاة؟ فقال له حبيب: الصلاة لا تقبل من ابن رسول الله وتقبل منك يا حمار؟

إن الحسين وعثمان عايشا الأحداث نفسها تقريبًا، ويكاد لا يكون هنالك فرق في الأحداث التي مرت بهما، إلا فرق جوهري، وهو أن عثمان كان حاكمًا، والحسين كان ثائرًا.

حين أقرأ هذه الأحداث في أعمال طه حسين، وعباس العقاد، وعلي الوردي، والطبري، وعبد الحميد السحار، وأحمد أمين، والذهبي، وابن عساكر، وغيرهم، بعد انتهائي من القراءة يراودني سؤال في بالي، لو كان الحاكم ثائرًا، والثائر حاكمًا، ماذا يفعل الحاكم للثوار، وماذا يفعل الثوار للحكّام؟

طرحت على المتابعين سؤالًا على فيسبوك ذات مرة، في بداية انطلاق شرارة الوثبة، فكتبت ما مضمونه: كمواطن عراقي، لو فرضنا سقط النظام، ماذا ستفعل لرؤوسه، هل تقتلهم وتسحلهم؟ أم أنك ستقول لهم اذهبوا وأنتم الطلقاء؟ أم أنك ستحاكمهم محاكمة عادلة؟

كانت الأجوبة مختلفة النوع، بعض المتابعين كتب وقال: إذا قلت لهم اذهبوا وأنتم الطلقاء سيأتي معاوية ويجرم بي! أحبذ أن أحاكمهم.

وآخر كتب: أختار المحاكمة العادلة.

وكتب بعضهم: أرد الأموال التي سرقوها ثم أحاكمهم.

لم أجد أحدًا من الإخوة المعلّقين أراد سحلهم وقتلهم، وهنا الكارثة، لأننا نكون قد واجهنا مثالية لا واقع لها.

ليعلم القارئ العزيز: ما من حاكم إلا كان ظالمًا من وجهة نظر فئة معينة، وعادلًا من وجهة نظر فئة أخرى، فالحاكم هو نفسه ثائر على حكم كان له فئة يؤيدونه، وحينما نجحت ثورته وصار الثائر حاكمًا، عادته هذه الفئة التي كانت تؤيد الحاكم السابق، وهذا الحاكم نفسه يقمع فئة تعاديه، ويكرم فئة تكرمه.

وهذا كله بسبب أن الناس تعمل بمبدأ أرسطو ومقياسه، وتحت عنوان أكرم من أكرمني وأعادي من عاداني، أي إن الناس تعمل بمبدأ العدالة لا المساواة.

فلو قدّم الحاكم حبه والخدمات لجميع فئات الشعب، بمعارضيهم ومؤيديهم، لما قامت ثورة ضده أبدًا، وسيدوم حكم الحاكم ولو كان قارونًا.

والمقصود بالمعارضة هنا هي المعارضة المدنية، والعصيان المدني، وليس المعارضة الإرهابية. يذكر أن الإمام عليًّا والخليفة عمرًا هما اللذان يمثلان الحرية في التاريخ الإسلامي، فكان معارضوهم يسبونهم أمامهم، وهم لا يأبهون لهم، أو يردونهم بالشتيمة ذاتها، لا بالصفعة والضربة.

يَذكر ابن أبي الحديد، أن أحد الخوارج شتم الإمام عليًّا، فقال له تعال أناقشك في القرآن والسُنّة، فقال إنّي غاد إليك غدًا، فقال حسنًا. ولمّا صار الغد، انتظره الجميع ومن ضمنهم الإمام علي، فانتظروا وانتظروا ولم يأت منه أي خبر، فاقترح بعض أصحاب الإمام علي فكرة عليه، وهي أن يأتوا به ويزجوه في السجن، فرفض الإمام ذلك أشد الرفض، وقال لهم ما مضمونه، إنه لو فعل ذلك لملئت السجون بهم!

فأنا متأكد، أنه لو نجحت هذه الوثبة سيخرج أناس يريدون الذبح والقتل والتنكيل بالطبقة الحاكمة. وأنا متأكد أيضًا وبالمقابل أن شباب هذه الثورة سيصفعونهم قائلين: أردناها سلمية، حتى النجاح!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد