جدل عقيم يصور إيران على أنها شيطان الشرق الأوسط، وأخطبوط الشر الذي يهدد الخليج، باسم محاربة إيران أبرمت دول الخليج عشرات الصفقات المليارية حتى ظلت المستورد الأول لأسلحة أمريكا ودول أوروبا، وكل ذلك بحجة الاستعداد للتصدي لإيران، والغريب في الأمر أن الترويج للخطر الإيراني على دول الخليج حتى أمريكا تردده، رغم أنها وإسرائيل هما الخطر الأعظم والعدو البين للمسلمين، والناهب الحقيقي لثروات العرب والمسلمين.

هناك اتجاه من فرط عدائه لإيران راح يطبل لإسرائيل، ويمجد شعبها، ولم يتبق إلا أن يقول هذا شعب الله المختار ودولته دولة العدل والحق، ويصف الصهاينة بالأبرياء أصحاب الحق المسلوب، كما تنازل بعض المطبلين على غرار خيانة ملوكهم وكبرائهم عن حق المسلمين في أرض فلسطين، وأعادوا تفسير آيات القرآن التي تتحدث عن اليهود وفقًا لانبطاحهم هذا، فمنحوا بها اليهود أرض فلسطين، خاذلين بذلك أمة كاملة ظلت 100 عام تذرف الدموع وتعض النواجز حزنًا وغيظًا على غاصب قتل الحمام وقطع الزيتون، إيران رغم اختلافها واختلافنا معها في سياستها في عدد من الدول، إلا أن اختلافنا هذا لم يعد يقارن مع اختلافنا على سياسة بعض الدول العربية الرعناء غير المدروسة، والتي تضر بمصالح الأمة الإسلامية كلها، وتهدد بقاءها وتنذر بفنائها؛ فإيران تملك رؤية، وبجانبها قوة ذاتية، ووفقـًا لهذه القوة تدعم من تراه كفؤًا بتنفيذ هذه الرؤية بواسطة قوتها المقدمة مسبقـًا، أما الدول العربية فهي تستند على اللاشيء، فلا تدري من أحق بالقتال ومن أجدر بذلك، وهذا يعد فقدًا للرؤية، ولا تمتلك قوة ذاتية، وهذا ما يعد فشلًا آخر يُعوض بالإنفاق لصالح أعداء الأمة، وتنشيطًا لأسواق سلاحهم، والخاسر في النهاية هو القاتل والمقتول، وكلاهما يصطليان بنار الدمار، ويستمر القتال سجالًا بين مسلم لا يدري لماذا قَتل وآخر لا يدري لماذا قُتل.

لقد شيطنوا إيران قصدًا لحشد الرأي العام العربي ضدها، والادعاء بأنها أشد خطرًا على المسلمين لم يعد مقنعًا بعد الآن؛ فمثلًا كنا نغضب لموقف حزب الله تجاه تدخله في سوريا ونرمي باللوم على إيران، وكذلك نتلقى نبأ تحرك الحوثيين دفاعًا عن اليمن بالغضب وندعم دول التحالف لضربهم وقتالهم، بينما نصمت حينما تضرب إسرائيل أهدافًا في سوريا وغيرها، ولم يغضب بعض دعاة التطبيع مع إسرائيل من ضربها قطاع غزة في عام 2014م بقدر غضبهم على إيران سوى ﻷنها تقاوم المد اليهودي الذي يرمي إلى تقسيم الدول الإسلامية وإضعافها، إيران ليس لديها مشكلة مع الدول العربية، رغم اختلافها الطائفي، ما دام العدو الصهيوني هو المستفيد من هذا العداء المصطنع، فما يجب إدراكه أن العدو المغتصب ليست إيران، بل إسرائيل وأمريكا هما العدو الذي يجب أن تعد له عدة القتال، وهو المستعمر الحقيقي الذي يجب التوحد في وجهه، وكما قال حسن روحاني بأن بلاده لا تمانع بالتطبيع مع السعودية إذا تخلت عن انبطاحها للعدو الحقيقي؛ الوحدة الإسلامية التي دعا لها جمال الدين الأفغاني هي التي يجب أن ينادى لها في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الأمة الإسلامية، وما ينبغي أن يكون مادة لجلسات المنظمات الإسلامية هو السعي الحسيس لتحقيق هذه الوحدة، لا بد من تغيير هذا المفهوم الذي يخوف من إيران أكثر من تخويفه من دول الاستعمار التي دمرت ونهبت خيرات الدول العربية والإسلامية، وزرعت فيها الوهن والانقسام.

قد تكون سياسات إيران ومواقفها ضد الثورة السورية سببًا لبغضها من وجهة نظر أهل السنة، ولكن إذا تعدى الأمر إلى أبعد من ذلك، ولم تعبر دول سنية عن وقوفها صراحة مع الثورة السورية، عدا بعض الأصوات الخافتة التي تنادي برحيل الأسد دون العمل على إرغامه على ذلك، وكذلك ظلت إيران تقاتل إلى جانب الأسد وظلت الدول العربية تقاتل إلى جانب أمريكا، ليس نكاية في إيران بل بفزاعة ملأت سمع العالم وبصره، وهي إطلاق داعش التي جاءت من العدم لتوحد الدول العربية، وتقام التحالفات وتشن الغارات وتصرف الأموال دون تحديد من أين جاءت ولماذا جاءت، واستمر الحال في قتال دولة بلا دولة أبطالها جنود يذبحون بالسلاح الأبيض ويصورون ذبائحهم بأحدث تقنيات التصوير، يشبه إلى حد كبير أفلام الرعب الأمريكية، إن لم تكن فعلًا خدعًا قدمت على أنها حقائق لخداع حكام الغفلة وشعوبها أن هنالك جزارين باسم الله كما قال رالف بيترز في مقاله في مجلة Front page magazine في 2004 ملمحًا إلى ضرورة خلق عدو متوحش ليقضى عليه، قاصدًا الإسلام، مبررًا ذلك بأنه يقتل باسم الدين، واستمرارًا لمسلسل الابتزاز بحق المسلمين وخداعهم بأن في قتلهم حرصًا على مصلحتهم لأنهم متوحشون وبرابرة، واستمر العداء للإسلام يطور في أساليب ظلمهم واضطهادهم والكيد لهم، واستخدام كل الوسائل القذرة قصدًا لإضعافهم، وتشتيت شملهم، وسلب حقوقهم، وإشغالهم بعضهم ببعض، والكيل لهم بمكيال الولاء المطلق والمصالح المشتركة، حتى تباعدت الدول الإسلامية بعضها عن بعض، وتقاربت إلى الدول الباطشة بالمسلمين في العالم أجمع؛ ووجه المقارنة بين الدول التي انقادت للأوهام والألاعيب الأمريكية وشكلت تحالفات معها بقصد قتال هذا المجهول وإيران هو نجاح إيران في الوصول إلى أهدافها، وإيجاد موطئ قدم لها في أكثر من بلد مشتعل؛ بينما لا نجد دولة إسلامية واحدة غير إيران استطاعت أن تكسب ود قرية واحدة من قرى سوريا أو العراق أو اليمن.

هنالك عدة أسباب كفيلة بجعلنا نطالب بإعادة النظر حول إعلان الوحدة الإسلامية بعيدًا عن الطائفية، رغم الخلافات: أول هذه الأسباب عجزنا التام عن حسم اضطرابات عالمنا العربي والإسلامي، والفشل في الخلوص إلى فكر يعيد ترتيب قيمنا التي تبعثرت في فضاءات المعية والضدية، فقدان البوصلة التي تخرجنا من هذه المآزق التي كلفت بلداننا الكثير، وأخيرًا ظهور العدو مزهوًا وفرحًا بحال الضعف والتشتت، وعمله على إشعال الفتن، وتزكية الخلافات، وإثارة النعرات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إيران, خداع, معارك
عرض التعليقات
تحميل المزيد