بعد أن وصلنا إلى حال يُرثى له، وبعد كل هذا الانحطاط والتخبط الذي أصابنا، دعونا نسترجع بعضًا من أمجاد الماضي، لنقف على أطلال دولة أعزها الله، بلغت من القوة والشموخ ما بلغت، حُقّ لأعدائها أن يتنفسوا الصعداء بعد زوالها فقد كانت شوكةً في حلوقهم، وليرى الشامتون بيننا بانتهائها إلى أي قاعٍ سقطوا بعد أن تساقطت أقنعتهم.

بعد أن أصبح مفهوم الوصول إلى الحكم هو السيطرة على مقدرات الشعوب وثرواتها وليس وظيفةً لخدمة العباد، وبعد أن أهملنا رقابة الله في حق من نأتمر عليهم، أصبح الفرد ليس له قيمة ولا كلمة ولا رأي، عندما كان لنا دولة كان أمير المؤمنين الذي حطم أسطورة فارس وأمجاد الروم يخشى أن يصيبه غضب الله إن قصّر في حق من وُلّي عليهم، يقول يومًا: لو أن بغلةً في العراق تعثرت لخشيت أن يسألني الله عنها، لمَ لم أسوّ لها الطريق؟!

بعد أن أصاب دولنا ضعفٌ اقتصادي مهول، وأصبحت أكبر صادراتنا هي الديون الخارجية وأصحاب العقول والخبرات، وزادت معدلات وانخفضت أخرى زادت معدلات البطالة والفقر والتسول، وانخفضت العمالة ونسبة الدخل الفردي والاحتياطي النقدي، نأكل مما لا نزرع ونلبس مما لا نصنع، لا قيمة لثرواتنا بعد أن فقدنا التحكم الفعلي بها، نستورد كل شيء حتى الأيادي العاملة، عندما كان لنا دولة أرسل خليفة المسلمين إلى عامله في العراق أن يخرج للناس من بيت المال، فوجده قد أخرج لهم مسبقًا وبقي في بيت المال مال، فأمره أن يسد دين المدينين، فوجده قد فعل مسبقًا وبقي في بيت المال مال، فأمره أن يزوج الشباب، فوجده قد زوج كل من يحتاج للزواج وبقي في بيت المال مال فطلب منه طلبًا أخيرًا أن يسلف أهل الذمة مالاً لمن ضعُف عن عمل أرضه حتى يعينه على دفع الجزية!

بعدما صارت دماؤنا أرخص شيء يمكن إهداره، وأصبحت صرخات اليتامى والثكالى ألحانًا يتراقص عليها أعداؤنا، أصابنا الوهن والضعف، وأُزهقت الأرواح بلا حساب، وما عاد يبكي قلوبنا كل هذه المجازر التي تصيبنا، عندما كان لنا دولة بعث خليفة المسلمين إلى ملك الروم الذي أرسل جيشه ليحارب ديار الإسلام حيث عاث فيها قتلاً وترويعًا وأخذ يحذر ويهدد، بعث إليه: «بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فقد قرأت كتابك وسمعت نداءك والجواب ما ترى ما لا تسمع، وسيعلم الكفار لمن عُقبى الدار». ورغم انشغاله بإخماد الفتن الداخلية أجاب صرخة امرأةٍ حرة مكلومة، ليذيق بعدها الكفار الرعب ويجعل منهم هباءً منثورًا أمام المد الإسلامي.

بعد أن بات التنازل عن أراضي دولنا وعن حقوقها حدثًا عابرًا، أحيانًا الله لنرى بلاد المسلمين تتساقط واحدةً تلو الأخرى، فهذه محتلةٌ عسكريًا، وهذه تقع تحت وصايةٍ مُذلة، وتلك تخضع لسيطرة فعلية من الخارج، عندما كان لنا دولة جاؤوا إلى خليفة المسلمين ليمنحهم درة ديار المسلمين «القدس» مقابل إغراءات مالية وإعفاءات ومكافآت وغيرها، وبرغم الضعف والفتن، أجابهم بكل ثقة: واللهِ لو قطعتم جسدي قطعةً قطعة لن أتخلى عن شبرٍ واحدٍ من فلسطين، ولم يكتف بالقول بل أصدر قرارات رسمية في سبيل ذلك.

ولا تجد رثاءً أبلغ لحالنا من كلام الطنطاوي رحمه الله حين يقول: نحن المسلمين، هل روى رياض المجد غير دمائنا؟ هل زانت جنات البطولة إلا أجساد شهدائنا؟ هل عرفت الدنيا أنبل منا أو أكرم؟ أو أرأف أو أرحم؟ أو أجل أو أعظم؟ أو أرقى أو أعلم؟ نحن حملنا المنار الهادي والأرض تتيه في ليل الجهل وقلنا لأهلها: هذا الطريق! نحن نصبنا موازين العدل يوم رفعت كل أمة عصا الطغيان، نحن بنينا للعلم دارًا حين شرده الناس عن داره، نحن أعلنّا المساواة يوم يوم كان البشر يعبدون ملوكهم ويؤلهون ساداتهم، نحن أحيينا القلوب بالإيمان، والعقول بالعلم، والناس كلهم بالحرية والحضارة، نحن المسلمين!

كنا حقًّا خير أمةٍ أخرجت للناس…!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد