إن ما يعصف بالوطن العربي منذ ما يقارب تسع سنين لا ينحصر أبدًا في نطاق السلطة الفاسدة والشعب المظلوم، بل إنه محاولة انقلابٍ كبيرة يثور بها العقل على التعصب والمنطق على الجهل والخير ربما على الشر، وإن معركةً كهذه لا تنتهي بزوال دولةٍ أو حزبٍ سياسي أو سقوط زعيمٍ أو رئيسٍ.

إننا نتابع مسيرةً تعود نشأتها بلا شك إلى بداية العصر الحديث، فإننا للأسف ما زلنا نلهث لنحاول اللحاق بركب الدول التي شملها التحديث.
كل شيءٍ في هذه الدنيا مقسم لفئات، ونحن شئنا أم أبينا أقل نسخ البشرية جودةً.
لذلك إن أي محاولة تغيير وإصلاح تعني لي أننا نحاول بناء وطنٍ جديدٍ لا أن نعيد مجدًا سابقًا، لأنني لا أثق كثيرًا بذاكرتنا التي تحن لكل ماضٍ حتى ولو كان سيئًا، كما أنه تاريخيا لم يسبق لنا صناعة نموذجٍ مثالي، ربما حظينا بأمثلةٍ جيدةٍ وأشخاصٍ وأفكارٍ يمكن البناء عليها. يجب علينا صناعة التاريخ وليس استرجاعه.

الجدير بالذكر، أن محاولاتنا الثورية الحالية تملك نسبًا متفاوتةً من النضج وهذه حالة طبيعية جدًا، وبما أن للبنان والعراق تاريخ مقبول نسبيًا مع القهر والحروب، نجدهما اليوم يقدمان أنضج أشكال الثورة العربية.

يقول درويش: لا تندم على حربٍ أنضجتك!

برغم كل المحاولات في إظهار الشعب عميلًا ومخربًا، استطاعوا حتى اليوم بذكاءٍ وثقةٍ تجنب كل محاولة اجترارٍ وتحريفٍ لمسار ثورتهم. لقد قتلوا واعتقلوا وعذبوا ودمرت ميادينهم وأرسل إليهم شبيحة ومرتزقة ووضعوا بمواجهة الجيش ولم يسقطوا في الفخ الذي سقط به غيرهم. هذا لأن مجابهة شر متأصلٍ كهذا يحتاج ذكاءً وحيلةً وصبرًا وجهدًا ودماءً حتى، على أن تبقى الثورة دومًا الحلقة الأضعف، لا بد أن تبقى الحلقة الأضعف كي تنعم لاحقًا بالقوة.
ما أقصده إن الدولة المستبدة تسعى دومًا لإعلان معارضيها عدوًا واضحًا تملك الحق حينها وفق الدستور في مجابهته. لذلك فليفتخر أهل لبنان والعراق بنجاح مساعيهم.

ثم إنني أعارض جزئيًا ما يقال عن أن الناس قد رموا عنهم غطاء الطائفية والتبعية، إن ما يحدث اليوم هو تمكن أهل المنطق والعقل من إدارة الحراك وقدرتهم على الظهور علنًا بعد كل تلك الخيبات في كل الانتكاسات السابقة، ربما لأن ما من مكانٍ للوعي في الحروب والصراعات، فلا أحد يلتفت لوجودهم، الشيء الذي يفسر ظهورهم الملحوظ هو وجود البيئة السلمية المناسبة.

أريد أن أقول..

إن نتاج هذه الثورات قد لا يكون ملموسًا بالنسبة لنا. لا شك أنه بعيد المدى ولكن ما حصدته محاولاتنا حتى الآن من وعيٍ واستيقاظٍ -تختلف نسبته طبعًا من تجربةٍ لأخرى- يدفع بنا للتفاؤل أنه ربما قد تصبح الطائفية والحزبية بنظر أبنائنا يومًا ما أشياء من الماضي.

إننا نتحرر من أنفسنا لا من حكامنا فقط، فشكل السلطة الحاكمة وما آلت إليه بلاد العرب، يفسره ويشرحه ماضي هذه الأمة من تمجيدٍ وتعظيمٍ لخلفائها وحكامها ومن تنصيبٍ لقائدٍ يخدمه الشعب لا قائد ليخدم الشعب.

إنني أخشى السعادة واللحظات التي يكون بها كل شيءٍ جميلًا، أي أن ينكر الناس طائفيتهم فجأةً مثلًا أجده أمرًا عظيمًا وخطيرًا بنفس الوقت، فهناك الكثير من الأمثلة التي تثبت زيف الشعارات.
ومع ذلك، فالتحرر معركة ذاتية طويلة الأمد، تقتات على صبر الإنسان وعقله ونتاجها يحتاج تضحيةً وإيثارًا.

يجب أن ندرك..

إن إبعاد النساء عن عملية تقرير المصير الوطني يلعب دورًا مهما في عدم نجاحها، وكذلك إدراجهن بشكلٍ جانبي لمجرد تسجيل حضور شرفي لن يفيد أبدًا. لا بد أن يكون الأمر تلقائيا وطبيعيا جدا، غير ذلك لن يكون إلا محاولةً فاشلةً ونفاقًا كبيرًا، ثم إن مجتمعًا ذكوريا مريضًا بأفكاره وعقده لن يقدر على إدارة مسيرة التغيير، قد يكون باستطاعته إدارة ملهى ليلي.

كما أنه ما من شيءٍ يفسد صدق تواجد الوحدة الوطنية بين أفراد الشعب أكثر من محاولات إظهار تواجدها لديه.

إنسانيا لا يبدو الحديث عن آلاف الضحايا والخسائر بشكلٍ موضوعي وعملي أمرًا لطيفًا، لكن الدول والحضارات لا تقام بالعاطفة، ويوم تكون الثورة ردة فعلٍ عاطفية لن تدرك هدفها إطلاقًا.

ومع ذلك، أيا كان شكل الثورة ونهجها، فجميعها ناجحة لا محالة حتى وإن لم تستطع تحقيق أهدافها أو تم القضاء عليها.

ربما تكون اللبنة الأولى التي يبنى عليها مستقبلًا ويستفاد من تجربتها، فالإنسان يتعلم بتراكم التجارب وهذه طبيعة البشر.

كما أن الحروب برغم بشاعتها قد لا تعني النهاية دومًا، ربما تكون البداية، فالسلام عادةً ما يكون استراحةً بين حربين، والتاريخ يروي دائمًا قصة هذه الأرض التي شهدت حروبًا على مدار عمرها، وفي كل مرةٍ كانت تشهد زوالًا، عاد أهلها لبنائها ونسيان ما حدث، إنه مصير الأرض والإنسان ودورة حياتهم، فلا بد من الخراب أحيانًا للوصول إلى الصلاح.

سنصير يومًا ما!

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد