حينما تكتب منشورًا على أحد مواقع التواصل الاجتماعي يجب عليك أن تحذر من العواقب التي سوف تنهال عليك، إذا كنت مُعارضًا سوف يؤخذ كلامك ويتم الوشاية بك، وليس هذا فقط، بل سيتم تقديم مذكرة طويلة عريضة على كل معاصيك التي لم ترتكبها أو حتى التي تفكر ألا ترتكبها، بالطبع فأنت لست أعلم من الواشين، فهم مقربون من جلاديك الذين سوف ينهالون عليك بأسوأ نوبات العذاب، وذلك كله لأنك منفلت ولا تعرف ماذا تفعل، تكتب مجموعة من الكلمات مشبعة بمعاني الديمقراطية وحقوق الإنسان، وقد تتطاول لعلمك المسبق أنك تتكلم مع مجموعة من محبيك وأصدقائك الذين يتابعونك من خلال مواقع التواصل، وما لا تعرفه أن هنالك قلة مندسة تتعايش على رؤية ما هو مكتوب.

هل أخطأت أيها المحترم في جهة محترمة؟ أم أنت مكمل لما أنت فيه من خوف من هذه العصافير الرقيقة التي تعجب بما تكتب ثم تتعجب ثم تستلهم الحس البديع في كتابة ورقة صغيرة تصفك بأنك خُنت الوطن والزعيم والقائد والشعب وخنت نفسك حينما تجرأت وكتبت عما تمليه عليك حريتك الشخصية وحرية التعبير عن الرأي -كم هي وغدة-.

حسين لطفي طالب في كلية الإعلام جامعة القاهرة، حدث له شيء من هذا القبيل حينما أراد أن يعبر عن رأيه في ثورة 30 يونيو بكلمات لا تحمل التجريح أو السب، وإنما تقر بالفشل الذريع الذي تعانيه مصر في هذه الأيام، لم يمر يومان حتى تلقى هاتفًا من المسئولين في كليته يقول له أيها السيد هل لديك حساب شخصي تسب عليه الناس من أول القيادات العليا على مستوى الدولة إلى القيادات العليا على مستوى الكلية؟ فما منه إلا أن نفى سبه للقيادات سواء العليا، أو العليا بزيادة.

تم تحويل الشاب إلى التحقيق وحينما بدأ التحقيق أقر بأن حقيقة نقده لثورة 30 يونيو أنه كأي مواطن عادي يعبر عن رأيه فيما يحدث في الوطن، أما حقيقة سبه للقيادات الكلية فهو أمر ملفق، وأتى بما يثبت ذلك، وهو أن حسابًا غريبًا عليه هو من فعل ذلك، وفعلاً كان هذا الحساب المزور يخص امرأة أجنبية في السابق، والآن يملكه شخص يريد الوشاية بحسين وليس حسابه، وبعد انتهاء التحقيق وقع على أقواله، وبعدها تم إخباره أنه فُصل ترمًا دراسيًا كاملاً، ولأنه في عامه الأخير من الكلية سوف يعيد مشروع التخرج في سنة كاملة مرة أخرى.

«لا تعبر عن رأيك فقد تُفصل» إنها ملحوظة أقدمها إليك طالما أنت تعيش في مستنقع من وحل الكبت والقهر و تكميم الأفواه وانعدام الديمقراطية وحرية التعبير، فإذا كنت مقيمًا في حي العاهرات فلا تهجوهن بصوت مسوع حتى لا يسلطن عليك «الفتوات»، ولا تهجوهن بصوت خفيض في حضرة أحد؛ فالغالبية الحاضرة عبيد أو جاريات للعاهرات.

في يوم قريب جدًا فاض الكيل وخرج الشعب إلى الشارع، لم يكن منظمًا ولا يعرف ماذا سيفعل، ولكنه شعر بالذل والمهانة وانعدام الآدمية، أحس أنه غريب في بيته لا يستطيع أن يتكلم بما يشعر به، فالطفل إذا سأل أباه: يا أبي لِمَ نحن نهمس هكذا؟ فما من الأب إلا أن يصمت؛ فالإجابة محرمة حرمة اللغو في الصلاة، فإذا أردتم أن تصلوا فعليكم بتلاوة ما هو مُنزل عليكم، ولا تحرفوا فتنحرفوا وعاقبة الانحراف وخيمة جدًا، أعتقد أنها النار.

نار في الأرض ولا نعرف ما في السماء، كم نحن نشقى. ساكنو الدول النامية أعتقد أنهم سوف يرفعون في الدرجات بعد أن يموتوا، وهذه الزيادة نتيجة لما هم فيه من شقاء وتعب في الدنيا، فلا هناك حياة كريمة يستحق الإنسان أن يعيشها، أو حتى أن يبدأها من الأساس، فأنت يا أيها المغضوب عليك في أراضينا المحتلة من قبل العاهرات أرأف عليك وأقول لك لماذا أتيت إلى هنا ولماذا أنا الآخر أتيت معك؟

العيب ليس فينا، وإنما العيب فيمن أتى بنا إلى هذا المستنقع، ألم يشاهد بعينيه كم هو بائس في الدنيا، إذا لماذا يصحبنا إليها؟ لماذا يأتي بنا مجبورين إلى هذا الواقع العفن ويتوقع منا أن نساعده في الاستمرار في المستنقع! نبني بيوتًا، ونتزوج وننجب أطفالاً جديدة كي تكبر معنا، ولكني أعتقد أن الجيل القادم سوف يحاسبنا ويحاكمنا محاكمة المجرمين في حق الأجيال، ويقول الطفل منهم لأبيه لماذا أيها الأب الفاسد أتيت بي إلى هذا المستنقع إلى أرض العاهرات اللواتي يحكمن المستنقع.

الكارثة الحقيقية هي أننا نؤمن بأننا نستحق الحياة وأن على هذه الأرض ما يستحق أن نستمر من أجله ونضحي ونعاني ونكابد من أجله، لكني أيقظك على الحقيقة التي لا تريد أن تعرفها وإن كنت عالمًا بها فأنت لا تريد أن تعترف بها، وستظل ملحدًا بها حتى آتى إليك وأقول لك أيها السيد المحترم أنت تنتظر أن تُكافأ بدخول الجنة بعد أن كنت مُقيمًا في النار.

ما أريدك أن تعلمه جيدًا أنك من أكثر الناس تعاسة وبؤسًا على أرض الكرة البيضاوية الزرقاء التي لا نرى منها سوى لونها ولياليها الزرقاء الغامقة، لا تصدق من يقول لك إنك محظوظ يا ولدي؛ فأنت تسكن على أرض الأمن والأمان أو أرض الحضارة، فلا تكلمه لأنك إذا كلمته سوف تغرس أنيابك في مؤخرته الحضارية الكبيرة التي تشبعت من الضرب أو التعذيب من بداية دخوله المدرسة مرورًا بمعاقبة أسرية سريعة، حتى نهايته التي قد تؤول إلى اغتصابه منها في أحد المعتقلات؛ لذا أقول له: أنت تستحق العويل عليك حيًا والبصق عليك ميتًا والخوض في حضرة سيرتك، لعل الأمل الأخير أن يكون هنالك خير يؤخره الله لنا؛ لذا لزم التنويه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد