يمكن قراءة الجزء الأول من المقال على  هذا الرابط

 

إذن فأحد أهم الحلول لمواجهة النظام الرأسمالي العالمي هو تكوين نخبة من المتخصصين في الاقتصاد والإعلام والسياسة وغيرها من العلوم الاجتماعية، نخبة تتحصل على علمها من أكثر الأماكن تفوقًا في كل مجال من غير أن يجعلها هذا خاضعة للهيمنة الرأسمالية، بل تستلهم أفكارها من ثقافتها ودينها وتراثها، نخبة تطور أساليبها من غير أن تفقد إيمانها بمعتقداتها أو مبادئها وأفكارها.

 

ولكن أنَّى لنا تكوين مثل هذه النخبة في ظل السيطرة الشرسة لحكومات بلادنا التابعة للإمبراطورية الأمريكية والنظام الرأسمالي العالمي وتلك الحكومات تسيطر بشكل كامل على كل المؤسسات التعليمية فتصبغ كل مؤسسة بصبغتها ولا تسمح لأحد بأن يغرد خارج سربها، وغني عن الذكر أن المنح التي تقدمها بعض المؤسسات الأمريكية وغيرها لا تختلف كثيرًا عن منحة مؤسسة فورد التي كانت نواة تكوين مافيا بيركلي في إندونيسيا وبداية التحول الاقتصادي والأيديولوجي هناك.

 

إذن فالحل أن نعتمد على أنفسنا في الجهد والكوادر والتمويل، ومن أجل ذلك نحتاج أن نعمل على المستوى الأفقي بتوسيع القاعدة التي تؤمن بنفس الأفكار وتتبنى نفس الأيديولوجية في نفس الوقت الذي نعمل فيه على المستوى الرأسي لتكوين نخبة لتلك المجموعة.

 

أما العمل على المستوى الأفقي فهناك جهد كبير مبذول مثل ما يكتب هنا، أو غيرها من المنصات، أو ما تقدمه بعض البرامج على اليوتيوب وغيرها، والتي تقدم دروسًا تاريخية وتصحيحًا لكثير من المفاهيم، وإن كنا مازلنا بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد كمًّا بالوصول إلى أعداد وشرائح أكثر، وكيفًا بتنويع المواد المقدمة وأساليبها، أما على مستوى تكوين النخب – وهو محور حديثنا هنا – يجب أن يتم اختيار مجموعة من الشباب بعناية ليكونوا نواة تلك النخبة ورعايتهم علميًّا وفكريًّا حتى يتمكنوا من أداء دورهم المستقبلي.

 

فاختيار تلك المجموعة لابد وأن يكون أولا على أساس فكري؛ فيتم اختيار من هم يحملون فكرًا ويعملون من أجل أفكارهم، وليس معنى هذا أن تتكون هذه المجموعة من أفراد لهم نفس الأفكار أو أن يكونوا نسخًا متشابهة، بل إن التنوع الفكري ضروري ومطلوب لأي نخبة منوط بها أن تنهض بالأمة، ولا يجب أن تكون تلك الأفكار أيديولوجية يعتنقها الفرد ولا يحيد عنها، ولكن قناعات يلتزم بها كل فرد بقدر ما. لكن الأهم أن تعلو تلك القناعات مبادئ لا اختلاف عليها مثل العدل والصدق والحرية.

 

والمعيار الثاني لاختيار تلك المجموعة يجب أن يكون علو الهمة، فلا إنجاز بغير همة عالية، ومن يتصفح سيرة الرسول ﷺ وصحابته الكرام يدرك كيف استطاع كل واحد منهم أن يفعل ما لا تفعله أمة بأكملها بعلو همته وإخلاص نيته.

 

بعد اختيار تلك المجموعة لتكون نواة نخبة الأمة يجب العمل على تأهيلها علميًّا وفكريًّا؛ أما على المستوى العلمي فيجب أن يحصلوا العلم المطلوب في كل مجال من المجالات، فمن سيتخصص في الاقتصاد يذهب لدراسة الاقتصاد في أكثر الجامعات تفوقًا في الاقتصاد، ومن سيتخصص في الإخراج السينمائي يدرسه في أكثر الأماكن تخصصًا وتفوقًا، وهكذا في كل المجالات المطلوبة لتكوين تلك النخبة التي يخول لها أن تحمل مسئولية الأمة فيما بعد.

 

ومن الجدير بالذكر أنه لا يجب الاقتصار على جامعة أو مؤسسة واحدة لأي مجال من المجالات، فكل مؤسسة تعليمية تتبنى فكرًا ما وتدعو له وتلقنه لطلابها فإذا ما أردنا لتلك المجموعة أن تحصل على العلم من غير تبني قناعات معلميها فيجب أن يتلقى كل فرد منها تعليمه من أكثر من مؤسسة وكل واحدة منها تتبنى مدرسة فكرية مختلفة.

 

أما على المستوى الفكري، فكما أن القناعات الفكرية هي أحد معايير اختيار أفراد تلك المجموعة، فيجب العمل على تغذية تلك الأفكار وتنقيحها، ويجب تحديد منهج متكامل للتربية الفكرية كما تفعل ذلك أي جماعة تتبنى فكرة أيديولوجية معينة تكون لها أدبياتها ورموزها التي يدرسها المنتمون للفكرة ويتبنونها.

 

فإذا أردنا أن نطبق مثل هذا المنهج مع المجموعة المختارة فيجب أن تكون هناك لقاءات دورية بين أفراد تلك المجموعة يناقشون فيها أفكارهم وقناعاتهم وتفاعلهم مع ما يتلقونه من العلم، كذلك لابد من وجود قيادة فكرية لتلك المجموعة لترشدها إلى المصادر التي يمكن الاعتماد عليها لتنمية الفكر ومفاضلة الأيديولوجيات والاختيار بينها، والأهم من ذلك كله كيفية التطبيق العملي للأفكار المجردة في واقع كل فرد منها.

 

على سبيل المثال إذا كنت تدرس الاقتصاد والنظريات الاقتصادية المختلفة، كيف تفاضل بين تلك النظريات؟ كيف تختار أيها لتكون أنسب لحال كل مجتمع؟ كيف تتوافق أو تتعارض تلك النظريات مع مبادئ الإسلام وكيف يمكن التوفيق بينها؟ كيف يمكن أن تفعل تلك النظريات لتساعد على تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية بدلا من أن تعمل عكسها؟ وغير ذلك من الأسئلة التي تنطبق على نظريات الاقتصاد كما تنطبق على كافة العلوم الاجتماعية الأخرى.

 

بعد طرح الفكرة وتفصيلها يتبقى الجزء الأهم وهو كيفية التطبيق العملي لها، بالطبع تكوين نخبة للأمة لا يمكن تحقيقه بجهد فردي ولكن لابد من تكاتف مجتمعي وعمل جماعي، وإذا أردنا أن نضع خطوات عملية لتنفيذ الفكرة فيجب أولا أن يتم التواصل بين من يرى في ذلك سبيلا لصلاح الأمة.

 

وتأتي الخطوة الثانية بالبحث عن التمويل اللازم لتنفيذ الفكرة بما في ذلك البعثات العلمية لأفراد مجموعة النخبة وعقد اللقاءات الدورية بينهم.

 

ومن الضروري ألا يكون ذلك التمويل تابعًا لمصلحة سياسية أو فكر سياسي معين يستثمر الفكرة لصالحه الخاص حتى وإن تعارض مع صالح الأمة، بل يجب أن يكون هذا التمويل خالصًا في سبيل الله بعيدًا عن أي مصالح أو منافع فردية للأفراد أو الجهات الممولة، ثم تأتي بعد ذلك الخطوة الثالثة بتكوين هيئة أو مجموعة تكون وظيفتها اختيار أفراد مجموعة النخبة ومتابعتهم علميًّا وفكريًّا وتفعيل التواصل بينهم وبين من يرونه قد يعمل على إرشادهم في الجانب الفكري.

 

الخلاصة أنه لا سبيل لنهوض الأمة بغير نخبة من شبابها يتسلحون بالعلم والإخلاص ويسيرون على الطريق من أجل رفعة دينهم وأمتهم، ويقف من خلفهم مجتمع راشد يدفعهم بكل ما يملك من قوة لتحقيق أهدافهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد