إذا وُجدت أية إمبراطورية أو قوة عظمى على مدار التاريخ فإنها تحافظ على وجودها من خلال عقيدة أو أفكار معينة يعتقنها شعب هذه الإمبراطورية، وبمجرد ذهاب هذه العقيدة أو خلخلتها في أفكار معتنقيها تنهار الإمبراطورية لتحل أخرى مكانها وهكذا على مدار التاريخ، وإذا أخذنا على سبيل المثال في عصرنا الحالي إمبراطورية الولايات المتحدة الأمريكية، سنجد أنها تقوم على عقيدة أنها الدولة الأعظم في العالم والتي تقوم على حماية الحقوق والحريات في العالم أجمع فضلا عن فعل ذلك داخل أراضيها.

 

وبصرف النظر عن صحة هذا المعتقد من عدمه، فسنجد أن الولايات المتحدة تحمي هذا الاعتقاد عند رعاياها بشيئين أساسيين: أن تكون القوة العسكرية والاقتصادية الأولى في العالم ومن نازعها في أي منهما حاربته بكل الوسائل المتاحة حتى ولو لم تكن أخلاقية أو إنسانية. وخير مثال على هذا الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لتتربع وحدها على عرش القوة العسكرية في العالم منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وحتى يومنا هذا.

 

ولكن ماذا عن القوة الاقتصادية؟ ماذا لو حاول أي كيان اقتصادي الخروج عن الهيمنة الأمريكية؟ كيف سيكون تصرف الإمبراطورية الأمريكية مع هذا الكيان؟

 

سنتناول حادثين من التاريخ الحديث لنرى كيف كان هذا الأمر. الحادثة الأولى في إندونيسيا بعد أن استقلت عن الاحتلال الهولندي ثم الياباني، توجهت (بقيادة سوكارنو) إلى الاستقلال السياسي والاقتصادي فأسست منظمة دول عدم الانحياز مع بعض الدول المستقلة حديثا وفي الجانب الاقتصادي قامت بالتوجه إلى فكرة الاقتصاد الاجتماعي (socialism) والذي يحاول البعد عن التطرف في النظريات الرأسماية أو الاشتراكية على السواء، فهو يعطي الحرية لرأس المال مع وجود سلطات للدولة لحماية الحلقات الضعيفة في السلسلة الاقتصادية مثل العاملين وصغار المستثمرين.

 

بالطبع مثلت التحركات الإندونيسية تهديدا صارخًا للإمبراطورية الأمريكية، فإذا لاقى النموذج الإندونيسي نجاحًا ستلحق به العديد من الدول المستقلة حديثا في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، إذًا كان يجب على الإمبراطورية الأمريكية أن تتخذ إجراءات حاسمة لإجهاض التجربة الإندونيسية والحيلولة دون نجاحها.

لم يكن خيار الإمبراطورية الأمريكية هو توجيه ضربة عسكرية لإندونيسيا، ولكن بدلا من ذلك حاولوا إقصاء سوكارنو عن الحكم بانقلاب عسكري فاشل (برعاية وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA) سنة 1958 لكن الإدارة الأمريكية تمكنت من رعاية انقلاب آخر سنة 1965. نجح الأخير في إنهاء حكم سوكارنو وإنهاء الفكر القومي والاجتماعي في إندونيسيا واتجه الاقتصاد الإندونيسي بشكل كامل إلى التوجه الرأسمالي.

 

لكن ما الذي فعلته الإدارة الأمريكية لتستطيع قلب موازين المعركة لصالحها في خلال سبع سنوات من 1958 إلى 1965؟ بجانب الاختراق الأمني في المؤسسة العسكرية كان أهم ما فعلته الإدارة الأمريكية هو تكوين نخبة اقتصادية موالية لها لتتولى قيادة الأمور بعد إنهاء حكم سوكارنو، استطاعت الولايات المتحدة تكوين هذه النخبة عن طريق إرسال الطلبة الإندونيسيين لدراسة الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا بيركلي، وكذلك إرسال أساتذة في الاقتصاد من جامعة بيركلي لإنشاء كلية الاقتصاد في جامعة إندونيسيا لتكون هي المصنع الذي سيعمل به الطلبة الإندونيسيون بعد عودتهم على إنتاج تلك النخبة الموالية للولايات المتحدة والتي عرفت بعد ذلك بمافيا بيركلي  Berkeley Mafia، وحتى يتم إخفاء العلاقة بين تلك العملية وبين الإدارة الأمريكية تم إظهارها على أنها إنفاق خيري من مؤسسة فورد على نشر العلم بإندونيسيا.

 

قامت مافيا بيركلي بعد ذلك بأكبر عملية تحول فكري في تاريخ إندونيسيا الحديث سواء من الناحية الاقتصادية أو الناحية الاجتماعية، وبالطبع صاحب عملية التحول تلك أحداثٌ دموية بشعة حتى أن بعض الأنهار سدت من كثرة إلقاء جثث القتلى بها!

 

الحادثة الأخرى التي سنتناولها هي مجموعة التحولات العنيفة التي شهدتها دول أمريكا الجنوبية خلال العقدين السابع والثامن من القرن العشرين.

 

كما كان الحال في إندونيسيا، أدت الديمقراطية في دول أمريكا الجنوبية إلى صعود طبقة من القوميين والتقدميين (nationalists and developmentalists) إلى  سدة الحكم في كثير منها مثل البرازيل وتشيلي وبوليفيا، وإضافة إلى التهديدات الإقليمية التي يمثلها هؤلاء (مثل إندونيسيا) كان هناك تهديد رئيسي ومباشر لمصالح كثير من الشركات الأمريكية التي كانت تسيطر على الأسواق هناك، سواء المناجم والتعدين أو البنية الأساسية. ولذلك كان التحرك الأمريكي أسرع وأكثر عنفًا ولكنه كان يسبقه دائما تكوين تلك النخبة الموالية للأفكار الأمريكية. وكما أنتجت جامعة كاليفورنيا مافيا بيركلي في إندونيسيا، أنتجت جامعة شيكاغو (صبيان شيكاغو Chicago Boys) في شيلي وغيرها من دول أمريكا الجنوبية.

 

وكما هي الحال في الحرب العسكرية أنه لا بد من معرفة أسلحة خصمك ومحاولة التصدي لها، وكذلك كما هو معروف أن خير وسيلة للدفاع الهجوم، فخير وسيلة لمواجهة سياسات الإمبراطورية الأمريكية هي مواجهة السلاح الذي تستخدمه، وبدلا من أن تقوم هي بتكوين نخبتنا الحاكمة نقوم نحن بتكوين تلك النخب على الطريقة التي تخدم أيديولوجيتنا وأفكارنا.

 

إذا قمت بزيارة إلى إحدى الجامعات الكبيرة في أوروبا وأمريكا ستجد على الأقل باحثًا أو أكثر من إحدى الدول الإسلامية، وفي الأغلب ستجد هذا الباحث يعمل في العلوم الطبيعية أو الهندسية أو الطبية، ونادرًا ما تجد أحد هؤلاء الباحثين يعمل في إحدى العلوم الاجتماعية (مثل الاقتصاد والسياسة والحقوق والإعلام وعلم الاجتماع وغيرها) وهذا لعدة أسباب؛ منها عزوف الطلاب في أوروبا وأمريكا عن الكليات العملية وتوجههم إلى العلوم الاجتماعية مما أدى إلى وجود وفرة من الباحثين في العلوم الاجتماعية وندرة من الباحثين في العلوم التطبيقية، من أسبابها كذلك توجه معظم الطلبة المتميزين في بلادنا الإسلامية إلى العلوم التطبيقية وإهمال العلوم الاجتماعية بسبب الضغط المجتمعي وحاجة سوق العمل.

 

ولكن تكوين النخب الحاكمة لا يكون من الأطباء والمهندسين والعلماء، بل من الحقوقيين والاقتصاديين والسياسيين، فكيف السبيل إذًا لتكوين نخبة من غير أن تكون تابعة فكريًّا للإمبراطورية الأمريكية وتعتنق عقيدتها السياسية والاقتصادية؟ خاصة إذا عرفنا أن معظم المنح التعليمية في العلوم الاجتماعية تكون على غرار منحة مؤسسة فورد لمافيا بيركلي في إندونيسيا أو مقدمة من الأنظمة الحاكمة في بلادنا والتي هي تابعة للهيمنة الأمريكية بطبيعة الحال.

 

أرى أن الحل هو توفير دعم مادي مجتمعي للباحثين العرب والمسلمين لدراسة العلوم الاجتماعية في أكبر الجامعات العالمية، مع تكوين شبكة بين هؤلاء الباحثين لتمكينهم من إنشاء مؤسسة بحثية (مصنع للنخبة) في أي جزيرة قد تتمتع بقليل من الحرية في أمتنا الإسلامية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد