في السنوات الأخيرة كثيرًا ما سمعنا في مصر مقولة «الحمد لله فنحن أحسن حالًا من سوريا والعراق وليبيا»!. كما لو كانت هذه منّة يمنّها علينا حكامنا! ولكن الحقيقة أننا لا يمكن أن نكون مثل سوريا وليبيا لأسباب أخرى.

رُوي في كتاب الإيمان من صحيح مسلم (4085- 78/49)، وفي سُنن الإمام الترمذي (2172) ‏ قال أبو سعيد: ‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع ‏فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».

وروى الإمام الترمذي في سُننه (حديث 2169) عن حُذيفة بن اليمان، عن النبي صلى الله ‏عليه وسلم، قال: «والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن ‏يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم».

ولأننا كمصريين شعب لسانه طويل كما يقولون -أدامها الله علينا نعمة-، فلم يصبنا في السنوات الأخيرة ذلك العقاب التدميري من الله الذي أصاب شعوبًا غيرنا لم يدفعوا المنكر حتى باللسان، وسكتوا عن الظلم، بل عمّا هو أكثر؛ ذلك أن الظالم يتمادى في ظلمه ما لم يجد من يقاومه، وكما يقول المثل العامي «قالوا لفرعون ايش فرعنك؟»، وكلما زاد تماديه وسكوت الناس في المقابل كلما تغلغل في مفاصل الدولة ولم يمكن إزاحته إلا بهدمها تمامًا.

ذات مرة أخبرني سائق سوري كان معنا في إحدى رحلات العمرة أن النُصيريين بالجيش السوري كان يصل بهم الحال أن يسبُّوا الله تعالى أمام الجنود، ولا يجرؤ أحد أن يتكلم. وكذا سكت العراقيون طويلًا والليبيون كذلك. وقديمًا سكتنا في مصر في عهد عبد الناصر فاستحققنا عقاب الله الذي حلّ بنا عام 1967.

وكما لم تتدمر مصر بعد ثورة 2011، كذلك لم تتدمر تونس، لأن مبارك وبن علي لم يكونا إلهين غير منتقدين، بل طالتهما ألسنة النقد، فلم يطلنا عقاب الله. وباختصار كل شعب يحصد ما زرع، ولا يلومنّ إلا نفسه. فلا تمنّوا علينا.

لذا أقول: لا يطمح أي حاكم موشوش أن يعيد تجربة عبد الناصر في مصر مهما هدّد وتوعد أتباعه بمراقبة مواقع التواصل وغيرها آملًا أن يخرس المصريون، فالمصريون لن يخرسوا يا سيد. أنت واهم.

أكتب هذه الكلمات قبل أيام من مناقشة برلمان العار المصري اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية لأجل الاتفاق على كيفية إقرارها، وليس لمناقشتها بحد ذاتها!، وذلك بعد سلسلة من المساجلات القانونية، دخل بسببها أشباه رجال إلى مزبلة التاريخ، وأصابوا بالعار كل من سينتسب إليهم.

في العام الماضي، في بداية الأزمة، كتبت مقالًا مطولًا حشوته بالكثير من المعلومات التاريخية وكذلك المستندات من دار الوثائق القومية التي تدعم مصرية تيران وصنافير، ثم تتابعت بعده ظهور مزيد من الوثائق الدامغة على مصرية الجزيرتين، وكذا كتب كثيرون غيري، حتى ملّ كل من لديه دليل من تقديمه لكثرة الأدلة. وجاءت أحكام القضاء المختص لتدعم موقف الوطنيين الحقيقيين من أبناء هذا الوطن، ولم يفد كل هذا في إحداث تراجع في موقف النظام المتآمر على بلده، المصر على التفريط في أرضها.

ومما انكشف وبان من أدلة في العام الماضي؛ مرسوم خط الأساس المصري سنة 1990، والذي وفقًا لأحد الفقهاء القانونيين قد ترك الجزيرتين دون صاحب عشرين سنة حتى عاودت السعودية المطالبة بهما سنة 2010، ولكن مبارك لم يتنازل عنهما، وإن كان الأمر لم يخل من شبهة، ليقوم نظام السيسي بعدها بتحريك القضية.

وعلى كثرة المساخر التي قام بها النظام الحالي فقد كانت هذه أعظمها. فهل سمع أحد في تاريخ الدنيا من قبل بنظام عسكري يُفرِّط في أرض تحت سيادته هكذا بمنتهى البساطة، ودون حتى اللجوء للتحكيم الدولي؟!

ختامًا أقول: التفريط في الأرض خيانة، والسكوت خيانة، ولن نخرس كما يريد لنا السيسي أن نخرس، ولن نعامله مثلما يعامله البهاليل من أنصاره كما لو كان سيدنا الخضر وكل ما يفعله وراءه حكمة خفيّة علينا سندرك أثرها بعد حين. وحتى لو فرّط أعضاء برلمان العار في تيران وصنافير تحت ضغط من جهات سيادية، فالحق لا شك عائد، ومزبلة التاريخ قد حُجز فيها مكان لكل من شارك في تلك المؤامرة من الجانبين المصري والسعودي، والمعلوم تمامًا الهدف منها، ومن المستفيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تيران, صنافير, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد