أولًا وقبل كل شيء دعونا نعرف ما هو «الميري»؟ وهو مصطلح عثماني يشير إلى إحدى الضرائب التي كان يفرضها ولاة وسلاطين العثمانيين على المزارعين وأصحاب الأراضي، وهي واحدة من عشرات الضرائب التي كانت تفرض على الرعايا، وكانت سببًا رئيسيًّا في تمرد بعض القبائل عن حكم العثمانيين في برقة خصوصًا ورفضهم دفع هذه الجباية التي يعدونها ظالمة، وكما يقول ابن خلدون في كتابة الشهير «مقدمة ابن خلدون»: «إذا كثرت الجباية أشرفت الدولة على النهاية»! وهذا ما حصل مع الإمبراطورية العثمانية التي اندثرت إلى غير رجعة.

والآن سنسافر عبر الزمن وننتقل من تلك الحقبة بخيرها وشرها إلى زمن ليس ببعيد، إبان الحرب الخاسرة التي شنها «خليفة حفتر» على طرابلس في 2019 بدعم مباشر من مصر والإمارات وروسيا، والتي على إثرها تدخلت تركيا عسكريًّا لصالح حكومة الوفاق حينها تحت غطاء اتفاق ثنائي، خرجت احتجاجات في بنغازي برعاية حفتر ترفع شعارات من أشهرها وأكثرها طرافة «لن ندفع الميري»! ضد ما أسموه «الغزو التركي والاحتلال العثماني»، وعلى إثرها تم إيقاف جميع الرحلات الجوية إلى تركيا وطرد كل الأتراك الذين يعملون في الشرق ومقاطعة المنتجات التركية، بل وحتى تغيير جميع المحلات ذات الأسماء التركية وكل ذلك بغطاء من أتباعهم وحملات تحريض ممنهج من قبل إعلام العسكر وقتها.

منذ أيام قليلة في مطلع هذه السنة التقى عقيلة صالح وخليفة حفتر بالسفير التركي واستقبلوه بالسجاد الأحمر في القبة وبنغازي! وهما رأس «سلطات أمر الواقع» في برقة، وأمراء الحرب على طرابلس وعرّابي التحريض ضد ما أطلق عليه «الغزو العثماني»، وقبلها بوقت قصير حج مجموعة من نواب «العازه» إلى تركيا والتقوا رئيسها رجب أردوغان وتصوروا معه بالأحضان، وهنا كانت الصدمة عند الجموع من أتباعهم الذين لم يفهموا ربهم بما بلاهم! وهم الذين خونوا كل من يزور تركيا مجرد الزيارة، بل وكل من يلتقط صورة في شارع الاستقلال في إسطنبول حتى! عدو الأمس صديق اليوم! أين ضاع دم الشهداء؟ وأين حق الجرحى؟ أحد متظاهري «ساحة الكيش» يصيح بأعلى صوته من هناك!

الأمر ذاته بالضبط حصل مع الطرف الثاني في الضفة الأخرى «الغرب الليبي»، ولكن مع دول مصر والإمارات، حيث جلس كبار مسؤوليهم مع حكومة عبدالحميد الدبيبه على طاولة واحدة، بعد أن كانت طائراتهم المسيرة وغير المسيرة تدك الأحياء السكنية بطرابلس وتسلب أرواح المدنيين في وقت ليس ببعيد، ومن ثم صاروا سمنًا على عسل، بينما الجموع المغفلة من مؤيديهم ومن تورط معهم في خطاب الكراهية والتحريض على العنف ضد هذه الدول وشعوبها، لم يفهموا شيئًا بدورهم، وأصبحوا في موقف محرج لا نتمناه لصديق ولا عدو.

رغم ما تمتلكه الجموع الجامحة من سطوة وقوة لإحداث أي تغيير على أي مستوى كان، فإن كل مشاكلها تقريبًا من وراء ذاكرتها الضعيفة التي دائمًا ما تضعها في مآزق كبيرة، وثبت أن الشعوب تتعلم بالتجربة وليس بالتلقين والترديد للأسف.

فمهما كانت الخلافات بين الحكومات أو الإعلام أو من يعتلون السلطة، سواء كانت سياسية أو دينية أو رياضية أو غيرها، إلا أنه يجب أن تظل وتنتهي هذه الخلافات في المستوى والصعيد الذي بدأت منه ولا دخل للشعوب بها، ويفترض على الجموع أن لا تنجر وراء حملات التحريض الغبية وتتورط في صراعات تندم عليها بعد أن يتصالح أصحاب المصلحة أو من هم في أعلى الهرم.

من البديهيات أن الدول وقادتها تحركهم المصالح ولا شيء غيرها، وفي ألف باء السياسة ليس هناك عدو دائم ولا صديق دائم، ومن المسلمات أن الجميع يفهمون ذلك، أتمنى أن لا نكنّ العداء لأي أمة أو شعب، عربي كان أو أعجمي، جراء موقف حكومته، فهم شخص أو شخصان سيتصالحون ويجلسون مع بعضهم بسهوله، أما الشعوب من الصعب أن تجلس مع بعضها البعض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد