الأرشيف ذاكرة الأمة، هذا ما اتفق عليه المؤرخون؛ فهو يحفظ تاريخها في جميع الميادين، السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والعسكرية،… إلخ، ويبني حاضرها ومستقبلها، فقد كانت الأرشيفات موجودة في مختلف الحضارات القديمة خاصة منها الشرقية، مثل بلاد الرافدين التي كانت الموطن الأول للكتابة والتدوين، فأوَّل من جمع النصوص هم السومريُّون خلال ما يقارب 2500 ما قبل الميلاد، ثم تطوَّرت الأمور عبر تواتر مماليك العراق القديم من الأكاديين والبابليين والأشوريين إلى الكلدانيين، حيث صار بالإمكان العثور على ما جرى حفظه، كما عرفت أمم أخرى تدوين تاريخها كالإغريق، والرومان، وقدماء المصريين والفرس، من خلال ألواح حجريَّة ومدَّونات أخرى.

وسرعان ما ازدادت الأهميَّة بالأرشيفات خلال العصور الوسطى مع تعدد السلطات، وتقسيم الوظائف، واتساع رُقع الحكم في المقاطعات، وتنوع الوثائق من قوانين ومراسيم، وقيود وسجلاّت مالية، إلى اتفاقيَّات ومعاهدات دولية، وخلال العصر الحديث وإبتداءً من القرن الثامن عشر، سنَّت العديد من الدول الأوربية قوانين لضبط وثائقها وحمايتها، كما استحدثت دورًا خاصة لذلك، ففرنسا مثلًا بلغ عدد مراكز الأرشيف 405 مراكز خلال عام 1770، اتحدت فيما بعد وأسست الأرشيف الوطني الفرنسي.

والجزائر كغيرها من الأمم، اكتسبت موروث ثقافي واجتماعي وإرث حضاري متنّوع وذلك لتعاقب الحضارات عليها.

غير أنَّ الباحث لتاريخ الجزائر يجد صعوبة في الوصول إلى معلومات وتفاصيل أدق، وأحيانًا لا يصل إليها، خاصة الوقائع التي حدثت ما بين 1830- 1962، فلما نكاد نعجز عن كتابة تاريخ بلادنا؟

خلال ثلاثة قرون (الفترة الممتدة من 1518 إلى غاية 1830)، أي فترة حكم الإدارة العثمانية، والتي عرفت نشاطًا إداريًّا منظمًا ودقيقًا، مكن الجزائر من وفرة في الوثائق الرسمية آنذاك، والتي تعد المصدر الأول في كتابة تاريخ الجزائر في تلك الحقبة، وتتضمن هاته الوثائق كل ما يتعلق بالأملاك العامة، حالة السكان، التجارة، الزراعة والصناعة، الضرائب، شؤون إدارية وعسكرية.

غير أنه خلال العقود الأربعة من الاحتلال الفرنسي للجزائر، ونتيجة للتصرفات الوحشية للجنود، تعرضت الوثائق إلى الحرق والإتلاف والإهمال، وتهريبها من طرف الباحثين الفرنسيين، فضاع الكثير منها، إلى أن جرى إصدار مرسوم بتاريخ 13 أكتوبر (تشرين الأول) 1849 يقضي بحماية كل مخلفات الدولة العثمانية بالجزائر.

وهكذا استمرَّت الإدارة الفرنسية في تسيير الأرشيف الجزائري بتعيين محافظ لمصلحة الأرشيف سنة 1908، وبالموازاة مع ذلك عمدت الحكومة العامة في الجزائر إلى أرشفة جميع أنشطتها الإدارية والعسكرية، قبل خروجها من البلاد سنة 1962، رحلت مئات الآلاف من عُلب الأرشيف (200 ألف علبة) بما فيها 1500 عُلبة خاصة بالفترة العثمانية، وجرى تبرير ذلك بحُجَّة حماية الوثائق من الجيش السرِّي (تنظيم إرهابي فرنسي تبنَّى أطروحة «الجزائر الفرنسية». ظهر في 1961، واعتمد العمل المسلح).

وبعد نيل الجزائر سيادتها، حاولت السلطات تنظيم ما تبقى من الأرشيف باستحداث مؤسسة الوثائق الوطنية بتاريخ 3 يونيو (حزيران) 1971، ثم توالت المراسيم والقرارات والتي أثمرت بإنشاء مركز للأرشيف الوطني، ولم تفلح مساعي السلطات الجزائرية في استرجاع الأرشيف المنهوب من وراء البحار، لكنَّه وحسب أرقام رسمية جرى استرجاع سوى 2%.

يعد استرجاع الأرشيف والتراث المادّي من القضايا العالقة ما بين الجزائر وفرنسا، حيث المفاوضات ما زالت مستمرَّة منذ أربعة سنوات، وقد جرى تسجيل تقدُّم ملموس في هذا الشأن، إذ جرى الاتفّاق على استرجاع 24 رفاة وجماجم لشهداء المقاومة الشعبيَّة من متحف الإنسان بباريس، كما جرى تعيين مؤرخ من كل بلد وتحت الوصاية المباشرة من رئيسي البلدين للعمل سويًّا على الملفات التي تتعلَّق بالذاكرة الوطنية، وبهذا يكون الطرفان قد وضعا خطة جديدة بترك القضية للمؤّرخين بدل السياسيين.

إن الإرادة السياسية اليوم أقوى من ما كانت عليه في السابق سواء هنا أو هناك، ولا بُدَّ من استغلال الفرصة لكتابة التاريخ من جديد… فالعشرات من المؤرخين والباحثين بحاجة ماسَّة لعودة آخر علبة أرشيف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد