يتعرض العالم كله لأزمة كبيرة في مجالات عديدة، ويمر بمرحلة صراع طاحن يتميز بالاستمرارية و«المطاطية» وروح التدمير والتطور، ولكن لا يخفى على عاقل اليوم ما تتعرض له أمة الإسلام من أزمات وأخطار، أسوأها يتمثل في سوء قراءة تلك الأزمات، وضعف الاستنتاج، والتنفيذ، المبنيين على ذلك، إن حدثا أصلًا. ولعل أهم خطوات الخروج من الأزمة – أي أزمة – يتمثل في حسن قراءتها، والنظر إليها من مختلف جوانبها؛ لفهمها على الوجه الصحيح، ثم بناء الحل المناسب في ضوء هذا الفهم، وفي ضوء النظر الصحيح إلى هذه الأزمة أو تلك.

ولعل الباحث في أحوال المنطقة العربية والأمة الإسلامية اليوم لا يصعب عليه معرفة ما هي عليه من تخلف حضاري، وهوان سياسي ، ومعاناة إنسانية، رغم كل ما تتمتع به من إمكانات بشرية و مادية، وما تمتلكه من قيم دينية و مبادئ سامية.

لذا فإن أي تشخيص دقيق للأزمة التي تعيشها الأمة الإسلامية اليوم تقتضي تحديد أسباب العجز ، ومواطن التقصير ، واستقراء التاريخ؛ لأنه المصدر الأساسي للفقه الحضاري .

وقد تمثلت أزماتنا المعاصرة في خمس أزمات رئيسة، هي: التخلف، الفاعلية، القيادة، الفكر، وأزمة السلوك؛ وهي أزمات تعاني منها معظم دول العالم الإسلامي بدرجات متفاوته.

الأزمة الفكرية المعاصرة

لقد أجمع العديد من العلماء والمفكرين على أن السبب الرئيس لهذه الأزمات يرجع إلى الأزمة الفكرية المعاصرة، وأن سائر الأزمات ما هي إلا نتيجة لها أو مظهر من مظاهرها أو انعكاس لجانب من جوانبها، وتتمثل الأزمة الفكرية في:

1-  نقص التفكير الصحيح وأدواته ومؤسساته:

وهذا مما يتسبب في كثير من أوجه العجز القائم لدى الأمة، ويبرز في معالجة قضاياها، فتقوم الأزمات، وتكثر القضايا، وتحدق بالأمة الأخطار، في حين يكون التحرك الفكري – رغم كثرة الوفود والندوات والمؤتمرات واللقاءات- ضعيفًا وروتينيًا.

إن جدار التخلف الذي تعاني منه الأمة الإسلامية في عصرنا الحاضر اليوم أصبح سميكًا، و الاستلاب الحضاري أصبح محكمًا إلى حدٍ بعيد، لدرجةٍ يمكن أن نقول معها إن الكثير من جوانب العلوم والمعارف غادرت منطلقاتها الإسلامية ، وتخلت عن أهدافها، وأصبحت خارج السياق الإسلامي .

2-  شيوع العقلية التبريرية:

إن الموقف الدفاعي الذي تتخذه الأمة قد يكون حقق لها بعض الإنجازات، ولكنه أفرز الكثير من السلبيات، والتي تحتاج إلى إعادة النظر في مواقف الأمة الفكرية والثقافية، ولعل من أخطر هذه السلبيات شيوع العقلية التبريرية لدى فئة من أبناء الأمة، ومحاولة هذه الفئة إعفاء الذات من المسئولية، ورفض المراجعة لما وصلت إليه حال الأمة، ونسبة الفشل والتراجع ـ الذي أصاب الأمة ـ إلى الغير، إن مسئولية الفكر هي مسئولية الأمة جمعاء، وإن على الأمة أن تستفيد من أخطائها في الماضي؛ حتى تستطيع أن تثبت تحضرها، وأن تقارع الأمم كما كانت في سابق عهدها.

لقد بلغت الحضارات العالمية اليوم شأنًا بعيدًا في التخطيط، والتقويم، والنقد، والمراجعة، والرقابة، و أقامت من أجل ذلك المؤسسات التي تتابع مسيرتها، لدرجة يمكن القول معها إن الحضارة الحديثة تبدو أنها مولعة باكتشاف أخطائها، وتصويب مسيرتها، أكثر من خصومها الذين ينتظرون سقوطها .

لذا فإنه متى كان في الأمة وعي فكري، فإن هذا كفيل في علاج الكثير من الأزمات التي تعاني منها الأمة الإسلامية اليوم.

تدبر وتأمل مطلوب

وإذا ما أمعنا النظر في النهضات الثقافية التي شهدها التاريخ؛ لنرى على أي منهج سارت فأبدعت، فسنرى أنها جميعًا قد تشابهت في مراحل السير: فخطوة أساسية تجمع بها ما قد وصل إلى الدنيا من أمهات الحقائق، تتلوها خطوة نهضوية، يمتص فيها أصحاب المواهب رحيق المعارف المجموعة، لا ليخزنوها في ذاكرتهم لتبقى على صورتها، بل ليحولوها في معامل المواهب إبداعًا جديدًا، أما في مراحل الإنطفاء والركود، فإن الدارسين يحفظون عن ظهر قلب ما يتلقونه من مأثورات الأولين؛ ليخرجوها في المناسبات المختلفة «تسميعًا» فتخرج، وكأنها مومياوات محنطة، خرجت من توابيتها لتوضع في المتاحف.

قس على ذلك ما حدث في شتي النهضات: الإسلامية في عصورها الأولى، الأوروبية فيما تلا القرون الوسطى، اليابان والصين وغيرها إلى عصرنا الحاضر. ولعل نماذج النهوض والتقدم التي قامت في ماليزيا وتركيا والبرازيل وغيرها ليست أسبابها عنا ببعيدة.

عود على بدء

وبالعودة إلى واقعنا، نجد أن الدول العربية ولمدة تزيد على (200) عام بدأنا في الاستيقاظ، ولكننا لم ننهض بعد؛ فبالرغم من تبحرنا في مرحلة الجمع والتلقي والتعلم ممن سبقونا (الاستيقاظ)، إلا أننا وحتى الآن لم ننتقل إلى المرحلة التالية بعد، وهي مرحلة الإبداع والتطور (النهوض) اللهم إلا بقدر قليل في علوم ليست هي الركيزة الأساسية للنهوض (كالإبداع الأدبي والفني والعمراني). إلا ننا لم نحقق شيئًا يذكر في باقي جوانب النهوض عمومًا، والفكر خصوصًا، وهو  الأمر الذي أدى إلى تفاقم مشكلاتنا على كافة الأصعدة، وعاد علينا بالعديد من الأزمات التي نراها واضحة جلية هذه الأيام، من غياب للقادة، وندرة في الاختراعات، وتراجع في التعليم، إلى غيره من المشكلات التي مُلئت بها مئات الأبحاث والكتب.

إشراقة أمل لابد منها

ورغم كل ما سبق من معاناة مررنا بها في مرحلة اليقظة، وتأخرنا الرهيب وغير المبرر في النهوض، إلا أنني على يقين بأن هذه الأمة مقبلة على صحوة عظيمة، رغم كل ما ينبئ باليأس من حولنا، ورغم كل المآسي والمصائب التي تتناقلها الأخبار كل يوم، ورغم التردي الذي نشهده على كل المستويات وفي كل المجالات، رغم كل هذا، فالأمة مقبلة على صحوة عظيمة، أراها قادمة خلال 10 أو 20 سنة فقط، أراها بوضوح كما أرى الورقة التي أكتب عليها والقلم الذي أخط به، وسأوضح أسباب وبراهين هذه الرؤية في المقال القادم إن شاء الله: «من الرقود إلى الحبو».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد