قد يبدو العنوان غريبًا أو معكوسًا بالمعنى الأقرب إلا أن ما يدفعني لاستخدام هذا الوصف هو حالة التماهي التي تعتري الذات المقنعة لدرجة يصدق فيها بجلاء قول أحد المختصين (في كل إنسان تعرفه إنسان لا تعرفه) والواقع أن الإنسان نفسه الذي يقع في ورطة التماهي مع أقنعته يفقد ذاته الحقيقية بالفعل ويزيغ عن نفسه، وتختزل هويته وشخصيته في الأقنعة التي يرتديها في حالة من التلون والتذبذب والزيف! حالة التقنع هذه والتي أصبحت متلازمة لا ينجو منها أحد قال عنها الشاعر العراقي ليث الصندوق:

وبعد أنْ أنستنيَ الأيام وجهي
لم أعد أعرف غير القناع
فهل إذا خلعته
أعرف من أكون؟
لسنا على الأرض سوى أقنعة
خبيئنا
غير الذي يبرق في العيون!

لكن.. ما الذي يجعل الإنسان يتخفى وراء الاقنعة؟

وردًا على هذا التساؤل الطارئ على المتأمل تظهر الإجابات جلية وهي أن «التقنع» يعتبر أحد استراتيجيات التخفي والاحتماء التي تنتهجها الشخصية كفعل اختياري أو كرد فعل دُفِعت اليه! ويرى أبرز علماء التحليل النفسي أنه وعلى طول خط مسيرة الإنسان الحياتية تحيط به أفخاخ ومثالب «التقنع» تدفعه أو تجذبه إليها فكل نمو للشخصية وبروز لها وكل أذى أو انكماش وكل حالة نجاح أو إخفاق تأتي نتيجة علاقتنا بالآخرين.

وفي سعي الإنسان على نفسه وتقديمه وعرضه لشخصيته يعمل جاهدًا ليكون عند مستوى توقعات الآخرين عنه وخاصة أولئك الذين يسعى للتعامل معهم، فيقدم نفسه لهم وفقًا لقوالبهم الجاهزة تحت ضرورة «إذا قلت لك من أكون قد لا أعجبك مع أن ذلك هو جُل ما أملك». إن هذه الحالة المستفحلة من التخفي والهروب لهي رفيقة الإنسان منذ أول لحظات تفتق وعيه بداخل الأسرة!

فنتيجة للضغوطات والتخويف والإساءة المتكررة للطفل ومعاقبة الأسرة له عند أدنى زلة يقع فيها يلجأ الطفل إلى تعويض نقص خبرته وتعلمه وثقته بنفسه إلى الاحتماء وراء الأقنعة ليتفادى الضرر النفسي أو الجسدي أو ليحقق توقعات أسرته أو ليحصل على رضا ومكافأة أسرته له.

إذا حدث ان كشفت لك عن ذاتي بصدق أخشى أن تجعلني أشعر بالندم

يجد الإنسان الأمان وراء الأقنعة ويتماهى فيها ويعتبرها أحد أساليب العيش الضرورية ويسعى إلى تطوير أقنعته كلما وجد أنها ضرورية لتجاوز منعطف أو مرحلة تتطلب ما تفتقده ذاته الحقيقية.

وقد جسدت الكاتبة أحلام مستغانمي هذه الفرضية بقولها «دهمها إحساس بالفقر لافتقارها إلى قناع، الجميع حولها يملك أكثر من وجه، وهي تواجه الحياة سافـرة. إنهـا تطالب بحقها فى امتلاك قناع. القناع كان سيوفر عليها كثيـرًا من الخسارات، والنضالات، والآلام، ويعفيها من ضريبة الحياء، ويخفى عن الآخرين ما ترك البكاء من أثر في وجهها».

وهكذا يستمر الإنسان في التقنع حتى يصنع من نفسه آخر مختلفًا تمامًا!

عبثًا أهرب من نفسي

إن الإنسان ذو الأقنعة يحيا في حالة من الهروب من الذات وما يصاحب هذا الانفصال من ضعف وهشاشة وألم نفسي وفقدان المعنى والتوهان وهنا ينقسم الأشخاص بين من يقف مع نفسه في لحظة صدق ويسعى جاهدا إلى استرداد ذاته المفقودة وبين من يوغل في الهروب والابتعاد عن ذاته الحقيقية ظنا منه أنه يسعى إلى تحقيق ذاته واسعادها.

يا هذا منحك الله وجهًا وأنت تلبس غيره

كم من الناس يعيش حياته ليؤدي دورا غير دوره ووظيفة ليست وظيفته.

وفي حالة من عدم الرضا بالذات يعيش معتقلًا ذاته المسكينة في شخصية غيره، وهذا ما نراه في الواقع في من يندفع إلى التقليد الأعمى ويتمظهر في حالات متعددة من الزيف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد