أسأل نفسي! ونتساءل دائمًا عن الكتابة، لماذا نكتب؟ لمن نتوجه؟ ما الجدوى؟ هل تزيدنا أسى، أم تدخل البهجة إلى أرواحنا؟ لا إجابات محددة! كل ما أعرفه أننا نكتب دون إرادتنا بأحيان كثيرة، نكتب ليثأر الصمت من لظى النار والكلام
نكتب لأن الكتابة شفاء موجع، وراحة مؤلمة. نلجأ إليها عند شعورنا بالعجز الكلي أو الجزئي، لأن القلم يغيث قلوبنا العطشى ويرويها، فيكون لنا ارتواء وحياة.

نكتب لنحيا ونستمر، ولنبعد شبح الحزن عنا لنعيش نبوءة سعادة وخيال استحضرناه ليكون لنا واقعًا مأمولًا. نكتب في محاولة منا لإزالة الألم المدفون في صدورنا على أمل أن يرقد، ويرحل الوهم والحزن، وتحيا بعدها الأقلام! بما تقدمه من أمل بغد واعد.

نكتب لأن الكتابة متنفس لبراكيننا التي لا تهدأ، نُدلق المداد كحمم دافقة على سهول السطور، نعبث بالكلمات كي نرتب جملة، كي نوصل فكرة؛ منها ما يحترق فيصبح رمادًا في عيني قارئ متسرع، ومنها ما يصبح سمادًا خصبًا في ذهن آخر مستمتع، لا ندّعي التمرّس في الكتابة ولا نمارسها بمسمى الكُتاب، إنما بمسمى الهواة الذين ضاق بهم الصمت ذرعًا، نحاول التعبير عن قليلٍ مما في دواخلنا من أحاسيس متشابكة، عن رؤى قد تبدو للبعض متضاربة، ونصحب معنا في أقلامنا كل قضايانا الكونية التي تلامسنا في عمق الكيان وصحوة الضمير الكلي المنكوب.

أعتقد في داخل كل واحد منا كاتب صغير؛ لأن الكتابة مداد المشاعر وريشة ترسم لواعج النفس، في الحياة قصص وأبطال وما نمر به من تجارب واقعية كذلك فيه عبرة وألف قصة، وهناك منا ويتفوق على غيره بالسرد وخلق الشخصيات وصياغة الأحداث المثيرة، هناك من يعشق الكتابة وهي توازي عنده الحياة كلها، لأنه تصبح له عالًما جميلًا ينفث كل ما يجول في خاطره ويؤمن.

فالكاتب هو محلل سيكولوجي في وجدان أبطاله. لديه القدرة على التطرف في جماليته الأخاذة. فهو يبعد من نصه أي تشويه خلقي هذا التشويه الذي يعاني منه في الواقع، أناس قد اختلت مشاعرهم وتناثرت فتشوهوا أخلاقيًا، لذلك هو يصنع لنا في معمله الكتابي المتطور شخصيات على درجة عالية من التطور والوعي، يكسبها أفكار داهية قوية تخرج الإنسان المتفرج المقموع من فوضى الكآبة، إلى عالم التحرر والرقي، أي يغتنم الصدام ليقبض على شرارة الحياة، وينثرها كلمات راقية ليتخلص من مر الحياة ويحولها حروفًا يمزجها بحلاوة رحيق أفكاره.

الكتابة متنفس، نحن نكتب لنخرج من جميع مآزق الحياة المتعبة، الكتابة يا سادة سبيل للوصول إلى أشخاص يشاطروننا الوجع نفسه، في بعض الأحايين تكون الكتابة إدمانًا، لا سيما حين تتزوبع فوق هاماتنا الخيبات، خيبة الأرض التي نحن فيها ومنها ونسمى غرباء، خيبة الحبيب، خيبة الثقة العمياء التي رغم خسارتها لا تبصر، أي وجع لا يساوي وجع كاتب يقع في تلك الزوبعة ولكنه يعجز عن خط حرف واحد ليترجم ذلك الألم العظيم.

إنها الكتابة، يكفيها فضلًا أن الله تعالى أول مخلوق خلقه هو القلم فقال له اكتب ما سيكون إلى قيام الساعة، إنها الكتابة تسافر بك إلى أماكن لم تصل إليها ببدنك فتصل إليها بخيالك ومشاعرك، إنها تجعلك تفرغ ما في نفسك وجعبتك من أفكار ومكبوتات لعل وعسى أن تنفع بها نفسك وإخوانك.

وختام كتابتي أقول فيها: «الكتابة ليست حكرًا على الروائيين والشعراء والكتاب الكل هنا يكتب ليفجر كبته أو يكبح خجله أو يحرر رسالة أو يبوح بسره ومكنوناته وكان يجدر بنا القول أنا أكتب أنا حر».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد