أي انتماء هذا الذي يجعل الفرد مذبذبًا حول أفكار ابتدعها أعداؤه ليفنوا جهده للدفاع عنها وعنهم بها في حين يخترقوها هم على مرأى ومسمع منه، ولا يستبعد أن يكون هذا المدافع أول ضحية له.

أيها القارئ صاحب الفكرة..كما يحتم عليك انتماؤك لأي فكرة أن تعرف هدفها ورؤيتها وحقوقك وواجباتك نحوها، فإن عليك أيضًا أن تعرف عدوها جيدًا وطبيعة الصراع بين فكرتيكما حتى تأخذ موقفًا واثقًا لا يتغير مهما تغيرت ظروف الحدث وأشكاله.

إن انتماءك للإنسانية يحتم عليك الدفاع عن موقعك فيها، فإن آمنت موقعك منها وعشت بلا منغص فيها، هنا لن يمنعك أحد من أن تدافع عن حق غيرك فيها. وحقك هنا ليس حقك كفرد بل حقك كأمة!

إن شعورك بالانتماء لهذه الأمة يجب أن يطغى على أي شعور انتماء لفرد أو جماعة أو دولة، وأن لا يتعارض انتماؤك لهم مع انتمائك لها؛ فهذا ما يغفله البعض فينسيه انتماؤه لجماعة الإنسانية مثلًا انتماءه لأمته الثكلى الغرقى في دمائها بل ويتعاطف مع أعدائها!

وأنا حين أخط هذه الكلمات لم يكن في عقلي سوى تفسيرين لهذه الظاهرة،إما هشاشة انتماء وضحت مقصدي منها آنفًا وإماأنه ما يسميه العلم “ستوكهولم سيندروم” وهي حالة نفسية يتعاطف فيها الفرد أو يتعاون أو يظهر الولاء فيها لعدوه أو من أساء له بشكل من الأشكال، ويعز على نفسي أن يكون فردًا من أمة محمد على أي الحاليين، ولا أقول ذلك لننصب المراثي على حال أمتنا؛ فأمتنا اليوم لم تعد تحتاج لها فحالها يرثي نفسه، لكن يكفيك أن تنتمي لهذه الحالة وتعايشها وإن لم تكن أحد الواقعين فيها فانتماؤك للأمة هو انتماء حالة لا أرض فقط.

ولسنا بهذا الحديث نبتعد عن واقعنا اليوم، فمؤخرًا تسقط طائرة روسية كان بعض ضحاياها من الأطفال كأي حادث قد يحدث!، فتخرج بعض الأفواه تتشدق بحقوق الإنسان والأطفال الذين لم يكن لهم ذنب في هذا الحادث!

قل لي بربك أمن العقل أن يتحدث فاقد الشيء عن حق غيره فيه! أكنت تملكه حتى تعطيه أم أنهم فقدوا ألسنتهم وأسلحتهم ليردوا الصاع صاعين؟!

إن الإسلام لا يحتاج لأن تثبت أنت أنه دين إنساني حين يلصق البعض أنفسهم كذبًا بالإسلام ويرمقون بأفعالهم الخبيثة بيننا، ففصول التاريخ تشهد على هذا فلا تكون مجرد عابث بين العابثين.

لن أحدثك عن ما يحدث في سوريا وأعقد المقارنات، فإن لم تكن أنت مدركًا لما يحدث هناك بأيديهم وأن جموع الشعب الروسي خرج للمطالبة بمنع لجوء السوريين لديها إن لم تكن على دراية بهذا فهذا عوار آخر في انتمائك لأمتك.

هم يتحدثون عن حرب صفرية لا وجود لك فيها على أرضهم وأنت تتحدث عن الإنسانية!!

ومنذ أيام يحصل تفجير بفرنسا ليودي بحياة الكثيرين فترى نفس الأفواه المتشدقة تخرج من جديد، ومن المخزي أن أذكر أن بعض المتعاطفين منهم وضعوا أعلام فرنسا غلافًا لصفحاتهم على الفيس بوك!

افتح أيها القارئ أولى صفحات التاريخ وانظر ماذا فعلت فرنسا على مر الزمان؟ كيف نصبت نفسها وصيةً على المسيحية في العالم على اختلاف مذاهبهم؟ كيف كانت تمد الصلبيين في بلاد الأندلس بالعتاد والجنود ليحتلوا أرضها رغم مخالفتهم لمذهبها؟ كيف انطلق نداء البابا سنه ١٠٩٥ بالحملات الصليبية من أرضها؟

كيف احتلت فرنسا بلاد الجزائر ١٨٣٠م، والتي كانت مركزًا لأسطول الدولة العثمانية وحصنها المنيع ومنطلق فتوحاتها، كما كانت معلمًا عريقًا من معالم الحضارة الإسلامية معماريًّا وعلميًّا في وقت انتشر فيه الجهل والتخلف والروائح الكريهة في جنوب أوروبا وربوع فرنسا، واستمر احتلالها ١٣٢ سنةأبادت فيها مليون مسلم خلال أول ٧ سنوات، ومليون ونصف المليون في آخر ٧ سنوات قبل رحيلهم!

وقد أرخ المؤرخ جاك جوري أن عدد من أبادتهم فرنسا منذ احتلال الجزائر حتى رحيلها ١٩٦٢ حوالي١٠مليون مسلم ﺣﻴﻨﻤﺎ ﺩﺧﻠﺖ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﻣﺪﻳﻨﺔ ﺍﻷﻏﻮﺍﻁ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻋﺎﻡ 1852ﻡ ﺃﺑﺎﺩﺕﺛﻠﺜﻲﺳﻜﺎﻧﻬﺎ.. ﺣﺮﻗًﺎ ﺑﺎﻟﻨﺎﺭ، ﻭﻓﻲ ﻟﻴﻠﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ.

  • أﺟﺮﺕ ﻓﺮﻧﺴﺎ 17 ﺗﺠﺮﺑﺔ ﻧﻮﻭﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺘﺮﺓ ﻣﻦ 1960 – 1966ﻡ، ﻭﻗﺪ ﺃﺳﻔﺮﺕ ﻋﻦ ﻋﺪﺩ ﻏﻴﺮ ﻣﺤﺪﺩ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﺤﺎﻳﺎ ﻳﺘﺮﺍﻭﺡ ﺑﻴﻦ 27 ﺃﻟﻒ ﻭ100 ﺃﻟﻒ.
  • ﺣﻴﻦ ﺧﺮﺟﺖ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻋﺎﻡ 1962ﻡ ﻛﺎﻧﺖ ﻗﺪ ﺯﺭﻋﺖ ﻭﺭﺍﺀﻫﺎ ﻋﺪﺩًﺍ ﻣﻦ ﺍﻷﻟﻐﺎﻡ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻋﺪﺩ ﺟﻤﻴﻊ ﺳﻜﺎﻥ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﻗﺘﻬﺎ، 11 ﻣﻠﻴﻮﻥ ﻟﻐم.
  • ﺟﻤﻌﺖﻓﺮﻧﺴﺎ 400 ﻋﺎﻟمﻣﺴﻠم، ﻭﻗﻄﻌﺖﺭﺅﻭﺳﻬﻢﺑﺎﻟﺴﻮﺍﻃﻴﺮ؛ ﺃﺛﻨﺎﺀ اﺣﺘﻼﻟﻬﺎﺗﺸﺎﺩﻋﺎﻡ 1917م.
  • ﺍﺣﺘﻠﺖﻓﺮﻧﺴﺎﺗﻮﻧﺲﻣﺪﺓ75ﻋﺎﻣًﺎ، ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ 132ﻋﺎﻣًﺎ، ﻭﺍﻟﻤﻐﺮﺏ 44 ﻋﺎﻣًﺎ، ﻭﻣﻮﺭﻳﺘﺎﻧﻴﺎ 60 ﻋﺎﻣًﺎ ﻭﺍﺣﺘﻠﺖ ﺍﻟﺴﻨﻐﺎﻝ (%95 ﻣﻦ ﺳﻜﺎﻧﻪ ﻣﺴﻠﻤﻮﻥ) ﻟﻤﺪﺓ ﺛﻼﺛﺔ ﻗﺮﻭﻥ!

إذًا هذه هي فرنسا التي خضب المسلمون صفحاتهم بألوان علمها!

فالشاهد من كل هذه الأحداث والجرائم التي رصدها التاريخ أن أي حرب على الإسلام لم تكن فرنسا تتورع عن المشاركة فيها، بل وتزعمها على مر الزمان، فكيف يخرج الكثير من المسلمين اليوم ليتعاطفوا مع أي حدث فيها؟!

وأخيرًابعد أن قرأت كلماتي لن أطلب منك سوىأن تطالعالتاريخ وتعرف أعداءك جيدًا حتى لا تثبت النظرية وتصبح يومًا أحد المتعاطفين معهمأو حتى من المُذَبذَبين.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد