من قال إن قراءة كتب الطبخ قد تضمن لك الحصول على أكلة شهية لذيذة؟ بل ما علاقة المحمر والمشمر بالكتب والقراءة من الأساس؟ وكيف يشمر الأكل عن أكمامه ونحن في هذا الجو البارد؟ وما هذه اللحظة التاريخية التي جعلتني أطالع كتاب طبخ بعنوان 100 صنف من الأكلات المصرية؟

لن أتفذلك وأخبرك إنني لا أحتاج لكتاب طبخ لأطهو أشهى وأجمل وأفظع الأكلات، ولكنه ألزهايمر والتطور التكنولوجي يا عزيزي، فكنت أتعامل مع بعض كتب الطبخ فيما مضى كمرجع لحفظ الوصفات ولكن بعدما قامت قنوات الطبخ ببلع نسبة المشاهدة من أغلبية الأمهات والزوجات وربات البيوت، كذلك محرك بحث جوجل ويوتيوب، أصبح الحصول على كل الوصفات بالصوت والصورة أمرًا بالغَ السهولة ولا يحتاج لعناء الخروج من المنزل والبحث عن كتاب للطهي، بل وإخراج مبلغ من المال لشرائه.

 

ولعلك تعلم – أو لا تعلم – أنه إذا انقطع الإنترنت تطايرت الوصفات في الهواء، فأركض بحثًا في عقلي على وصفة ما أجد عقلي على المحارة! لا أذكر من الوصفة سوى العنوان وما يندرج تحت هذا العنوان من محتويات ضرورية للوصول إلى الأكلة لا أتذكر منه سوى الخطوط العريضة فقط!

 

فأطبق على الريموت كنترول بين يدي وأجلس أمام عدد لا بأس به من القنوات والوصفات والإعلانات والمداخلات التليفزيونة، فلا أجد – لحظي العثر – تلك الوصفة التي نويت طبخها غدًا! ما العمل؟!

لم أجد أمامي سوى هذه المكتبة كمصدر للمعلومة وحيد فريد قادر بالطبع على إنقاذي من ورطة تجهيز أكلة للغد، أو هكذا ظننت.

جذبني بعنوانه عندما اشتريته من بائع الجرائد منذ سنوات عدة؛ “100 صنف من الأكلات المصرية”. وبما أني مصرية وسأطبخ؛ إذا فهذا الكتاب مناسب لي تماما. بهذه البساطة والسذاجة اقتنيته وبذات البساطة والسذاجة تناولته من المكتبة وأخذت أقرأ لعلي أجد فيه ما ينقذ موقفي المطبخي من الغرق في الهاوية، فوجدت بداخله ما هو أبعد من الهاوية.

 

فقد كان فهرس الكتاب مليئًا بأكلات ما أنزل الله بها من سلطان، مثل: أبراج هلام الدجاج وطرطور بالطحينة وطبق جراد البحر والفوارغ المحشوة باللحم والقباوات المحشوة باللحم!

اعتدلت في جلستي ممسكة بالكتاب أحاول استيعاب ما قرأته للتو مثلما فعلت أنت الآن بالطبع! تُرى ما هو الطرطور بالطحينة؟ بالتأكيد ستتكرم علينا الكاتبة الشيف بتوضيح يشفي صدور قوم جائعين. هرعت لصفحة 30 لاستكشاف الأمر، فلم أجد أي ذكر أو توضيح لهذا الطرطور الذي يظهر في العنوان، وفهمت بخبرتي المطبخية العريقة أن هذا الطرطور بالطحينة ما هو إلا سلطة طحينة بالثوم والملح والفلفل وعصير الليمون.

لم أيأس وذهبت لاستطلاع أمر الأبراج الهلامية الدجاجية تلك، فهالني ما قرأت – وعلى القارئ هنا الإمساك بأي قطعة أثاث صلبة حتى لا يصاب بالدوار – فالمقادير كانت كالتالي: خضار الظروف المجمدة – جزرة – فجلة – مكعب مرق – ملعقة ممسوحة من حبيبات الجيليه الهلامية – دجاج – خسة صغيرة – ملعقة صغيرة من الكرز الجاف، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ولما كنت على علم بأن جراد البحر ما هو إلا جمبري، فاكتفيت بالشعور بالاشمئزاز من تخيل فكرة أكل جراد ولو كان هذا الجراد المعشوق في بلدنا ينتمي إلى عالم البحار، ثم ذهبت إلى الفوارغ المحشوة باللحم؛ فوجدت 4 فوارغ مجهولي الهوية يتصدرون المقادير بثقة وإعزاز، تظاهرت بالفهم في البداية رغم أن الشيف لم تذكر هل هي فوارغ زجاجات مشروبات غازية أم فوارغ خرطوش؟ وعندما عجز عقلي عن الوصول لإجابة شافية قررت الذهاب للقباوات المحشوة باللحم كمحاولة أخيرة لفهم أي حاجة في أي حاجة، ولله الحمد حلّت بركة دعاء الوالدين وتوصلت لمعلومة مفيدة أخيرًا عن طريق قوسين بجوار العنوان مكتوب بداخلهما (منبار).

وبغض النظر عن اختلاف اللكنات بين المنبار والممبار والمنابير والعصبان، فالنتيجة والفرحة واحدة. ممبار يا بشر.

تنفست الصعداء أخيرًا وهممت بغلق الكتاب والعدول عن فكرة الطبخ للغد، بل الطبخ مرة أخرى لمدة لا أعلم مداها. ولكن الكتاب أبى أن يتركني دون توديعي وداعًا يليق بجلال اللحظة التاريخية، فلم تكتفِ الكاتبة بنشر وصفات لا علاقة لها بالمطبخ المصري فحسب، بل حاولت محاولة جادة ومجتهدة في إصباغ هذا الكتاب العجيب بالزركشة المصرية في العناوين لأجد أمامي كلمات مثل: “طشة التقلية تخليني أقول شبيك.. لبيك يا عنيه – مع وجبة البصارة هاغدي كل الحارة – فواتح الشهية.. مية المية – الأرز بالزعفران.. يشفي التعبان!

– دايما شباب مع أرز الأعشاب – إتلمّوا الناس عليا لما شموا تقلية الملوخية – حلويات حلويات ده إحنا يا حبيبي بلديات – القطايف العصافيري يا جنوني طيري – يا مهلبية يا نور عينيا – الكشري بالشطة أكلك منين يا بطة؟”

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد