تكاد تكون هذه الكلمات هي منهاج حياة في محافظات الصعيد، حيث يمثل حمل السلاح بين المواطنين على اختلاف ثقافاتهم واتجاهتهماالإجتماعية شكلاً من أشكال الوجاهة، وقلما تجد بيتًا يخلو من قطعة سلاح غير مرخصة، وقد زادت هذه المسألة عن حدها الطبيعي بعد ثورة 25 يناير، وما صاحب البلد من فوضى وتفكك لليد الأمنية للشرطة، ليس معنى هذا أن 25 يناير تتحمل هذا الجرم وحدها إذ أن ظاهرة اقتناء الأسلحة في القرى قديمة، والمباحث كانت على علم بكل شيء وكان ضباط أمن الدولة في العهد البائد يجبرون الأهالي على شراء أسلحة وتسليمها للمخبرين والضباط، أو تحدث حملة من الشرطة على القرية ليجدوا أسلحة قديمة غير ذات قيمة، والغريب أنهم كانوا يفرحون جدًّا بذلك، وهم لا يعلمون أن البنادق الآلية مدفونة في أمان داخل براميل سولار يتم الحفر لها تحت الأرض على أعماق بعيدة داخل زرائب المواشي أو حتى غرف النوم، لا تخرج إلا عند الحاجة، وقد تعلم الأهالي هذه الحيلة الشيطانية من الإرهابيين الذين ساهموا في انتعاش وتهريب الأسلحة أيام الإرهاب في تسعينيات القرن الماضي.

 

ف2

 

لكن الظاهرة زادت بعدها فقط لأسباب ومن تلك الأسباب الآتي:

1- يمكن أن نعزو ظاهرة انتشار الأسلحة إلى حالة الرعب التي تسود المواطنين في ظل الغياب الأمني وانتشار البلطجة والسرقات التي لم تترك شيئًا (السيارات – المواشي) بعد أن كان الصعيد ينعم بالهدوء والسلام، حتى أن أحدهم إذا سكن في مكان بعيد عن أهله أو بنى بيتًا جديدًا في مكان بعيد الحرامية يحذرون بعضهم من القرب من منزله لأنه مسلح ويمكن أن يضرب عليهم نارًا.

 

2- الطبيعة الصعيدية وما يصاحبها من غلظة وشدة وعدم رضا بالإهانة في ظل غياب القبضة الأمنية يجعل من المجتمع مجتمع ذئاب، فإذا حدثت أي مشادة كلامية بين اثنين يتجمع العائلتان بالسلاح في استعراض للقوة؛ مما يضطر الصعيدي إلى شراء بندقية مهما كان سعرها، حتى إن أحدهم يرهن أرضه أو يستدين ويكتب على نفسه شيكات للحصول على قطعة سلاح ترفع رأسه بين أبناء قريته، وليس أدل على ذلك من زيارة بسيطة تقوم بها إلى حفل زفاف صعيدي، سترى الفرح عبارة عن مظاهرة مسلحة، ومسابقة الكل يتبارى في إطلاق الأعيرة النارية لتحية أهل العروسين. تعلن العائلة أو المدعو عن قدومه بإطلاق دفعة لتحية الموجودين فيقوم الحضور بإطلاق دفعات الاستقبال، وهناك من يجمع الطلقات الفارغة ويحصيها لردها في فرح من المجاملة.

3- الموروث الأسوأ (الثأر)
” كنت فين يا وعد يا مقدر.. دي خزانة وبابها مسدر”.
“التار ولا العار يا بوي”.
هذه إحدى الولولات التي تولول بها نساء الصعيد التي كتب عليها الثأر.

الثأر هو أكبر الأخطار التي تهدد الصعيد، ورغم ما تذكره السينما في أفلامها من أن نساء الصعيد مكسورات الجناح ومحرومات من أبسط حقوقهن، إلا أن المرأة لها الدور الكبير في الثأر، وإذا ما حاول أحد الخروج عن تلك التقاليد الصارمة اعتبر ذلك خيانة لذكرى وروح الفقيد. حيث إن المرأة الصعيدية هي الحارس على خزانة الأحزان، والمقاوم بعنف لأي محاولة لخرق تلك المراسم العتيقة .بل إنها أحيانًا تلجأ إلى أخذ الثأر بنفسها.

 

وقد شهدت قنا أشهر حوادث الثأر التي نفذتها امرأة، حيث أقسمت امرأة اسمها “ليلى” على الثأر لإخوتها الثلاثة الذين قتلوا غدرًا، خاصة أن أبناءها وأبناء إخوتها ما زالوا أطفالاً، وأصرت على أنها ستأخذه مضاعفًا، وحلقت شعرها، وارتدت ملابس الرجال، وحملت مدفعًا رشاشًا، وانتقلت للإقامة في الكهوف ووسط زراعات القصب، وظلت تراقب أعداءها سنوات طويلة حتى حانت اللحظة الحاسمة، وعلمت أن قاتلي إخوتها يستقلون سيارة ميكروباص لتأدية واجب العزاء بإحدى القرى، فانتظرتهم عند مدخل القرية، وأوقفت السيارة وطلبت من السائق النزول لأنه ليس من نفس العائلة، وحصدت أرواح 12 شخصًا من خصومها.

 

لا يكلف القاتل الشرطة عبء البحث عنه، ويقوم هو بتسليم نفسه ويعترف بافتخاره بدون ضغط أو إنكار بقيامه بالقتل، ويعلنها بكل ارتياح (أخذت تاري).

 

وللثأر ضوابط في الصعيد، فالأبناء هم الأحق بالقصاص لدم أبيهم، يليهم الإخوة الأشقاء، فالإخوة غير الأشقاء، وإذا لم يكن للقتيل أبناء أو إخوة، فحق المطالبة بالدم ينتقل إلى أبناء العم الأشقاء، ومنهم إلى أبناء العمومة غير الأشقاء، والثأر في الصعيد لا يلزم سوى أقارب “الدم” أي من ناحية الأب، ولا علاقة لأقارب الأم بعملية الثأر.

 

أما فيما يتعلق بمن يتم أخذ الثأر منه، فالأمر أكثر تعقيدًا، ففي الغالب يتم استهداف القاتل باعتباره المسئول، ولكن في بعض الأحيان تحرص بعض العائلات على قتل من يوازي في أهميته وعمره رجلها المقتول، فإذا كان المقتول أحد كبار العائلة تم قتل من يساويه مقامًا في العائلة الأخرى.

 

لكن السؤال الذي يأتي إلى ذهنك عزيزي القارئ هو كيفية وصول السلاح إلى الصعيد:
طريقة تهريب السلاح عن طريق نهر النيل بعد أن يجلبه التجار الكبار من السودان وإثيوبيا في قيعان الصنادل النيلية، حيث يتم تفكيك السلاح لأكثر من جزء وتوضع في فناطيس الغاز المملوءة وبعد أن يتم نقله عبر الصحراء على الجمال، ويتم نقل هذه الأسلحة على دفعات داخل سيارات نقل، ويتم التمويه عليها بأي شيء في رحلة مشوبة بالمخاطر، إلى أن يتسلمه تاجر التجزئة في القرى.

 

هذا عن السودان، أما ليبيا هنا فتختلف الطريقة، حيث إن هناك أمرين:
1- يتم تهريبها عن طريق القبائل العربية المتواصلة ببعضها على الحدود، وهذا يتم بأريحية شديدة، حيث إنهم شبه مسيطرين على الحدود، ولا يخشون لا حرس حدود ولا جيش، وعندما يصل إلى مصر يتم تفريغه في عربات، ويتم التمويه عليها أيضًا عن طريق تحميل أي شيء آخر في العربية، وهذه الطريقة تستخدم عادة في الكميات الكبيرة.

 

2- وهذه تتم عن طريق السواقين الذين ينتقلون بين مصر وليبيا، وهذا يتم عن طريق تفككيك السلاح ووضعه في تنك الغاز، أو في مخبأ يعلمه السائق، وهذا خطورة أكبر بكثير ويستخدم في الكميات الصغيرة.

وأخيرًا نترككم مع بعض الأمثلة لأسعار السلاح في الصعيد، مع مقارنة بسيطة بين ما قبل ثورة 25 يناير، والآن مع ملاحظة أن هذه الأرقام تقريبية فقط.
فالمسدسات كانت من500 إلى1500 جنيه، والطبنجات الألمانية من 5 إلى 7 آلاف جنيه، والرشاش البلجيكي الجروتون بـ 26 ألف جنيه، أما البنادق الآلية من 10 إلى 15 ألف جنيه، والآلي العراقي كان بـ 6 آلاف جنيه والإسرائيلي سريع الطلقات كان بـ 10 آلاف جنيه، أما الآن فهناك حالة من الارتفاع الكبير في الأسعار. فالرشاش تصدر القائمة توصل سعره إلى ما يقارب 60 ألف جنيه، يليه البندقية الأمريكي والتي وصل سعرها إلى 24 ألف جنيه. أما الطبنجة الألماني 9 مللي فقد وصل سعرها إلى 83 ألف جنيه، أي زادت عشرة أضعاف البندقية الآلي الروسي، والتي وصل سعرها إلى 28 ألف جنيه، ثم الآلي العراقي والصيني بنفس السعر، أي حوالي 16 ألف جنيه وبعدها الطبنجة الإسباني 9 مللي سعرها 13 ألفًا، ثم الطبنجة الصناعة المحلية سعرها 11 ألف جنيه. وبالنسبة للذخيرة فإن الطلقة التي كان سعرها قبل الثورة لا يزيد عن 7 جنيهات وصل إلى أكثر من 20 جنيهًا في الوقت الحالي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الصعيد, سلاح, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد