منذ وجد الإنسان على الأرض، منذ حوالي 10 آلاف عام تقريبًا، ويبدو أنه وجد في الطبيعة عدوًّا له، واستطاع الإنسان بالعديد من الطرق أن يجد في تلك «الطبيعة القاسية» ما يغطي احتياجاته، وأخذ في تطوير المواد نفسها، ووجد لها استخدامات أخرى، حتى تعدى الأمر مجرد تغطيته احتياجاته اليومية إلى الرفاهية، ورغم أنها أهدته كل ما احتاجه ليعيش، فإنه لم يعرف قط كيف يقول لها كلمة شكرًا، بل على العكس، فعلى ما يبدو أنه كلما زادت احتياجاته، زاد توحش الإنسان نحو الطبيعية، ورغم زعم أن البشر الأوائل كانوا «همجيين» ولا يعرفون إلا المصلحة الفردية فقط، فإن الواقع الحالي مختلف قليلًا، فعلى ما يبدو أن «المتحضرين» عرفوا معنى التقدم معرفة خاطئة.

الثورة الصناعية ومشكلة الاحتراق

على الأقل لم تكن الأمور تسير في منحنى خطر إلى أن جاءت «الثورة الصناعية» في القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، والتي جعلت الأمور في منحنى خطر، إذ ارتبط مفهوم التقدم بالطاقة، والتي حتى تحصل عليها كان لا بد من تقديم تضحيات، تضحيات بيئية بمعنى أصح، ولم يقتصر الأمر فقط على استخراج البترول من باطن الأرض وحرقه، والذي هو في حد ذاته كارثة، حتى وإن كان ضروريًّا للحصول على كهرباء المنازل، بل تعدى الأمر إلى الإهدار المبالغ فيه للموارد، والتأثير السلبي للأنشطة الصناعية.

لم يعرف أحد المعنى الحقيقي أن «لكل فعل رد فعل»، ربما لا يدرك أحدنا وهو يأخذ سيارته ليقطع مسافة، ربما لا تأخذ منه 10 دقائق على الأقدام أو أقل بكثير بالدراجة مثلًا، لا يدرك إطلاقًا أنه يساهم جليًّا في خنق أطفاله، وربما أحفاده في المستقبل غير البعيد؛ فهو قريب جدًّا الآن، فحسب دراسات أجريت حديثًا، توقع العلماء أن ترتفع درجة حرارة الأرض بمقدار يصل إلى ست درجات مئوية نهاية هذا القرن! ذلك القدر الهائل من الحرارة بإمكانه ببساطة أن يقضي على كثير من تلك الرفاهية التي نعيشها حاليًّا، وإن كنت تحسب ذلك مقدارًا عاديًّا لزيادة درجه الحرارة، يمكنك أن تعلم أنه على مدار 120 عامًا مضت زادت درجة الحرارة بمقدار 0.85 درجة فقط، وهو أيضًا مقدار مرتفع إلى حد ما؛ فقبل ذلك الانبعاث الهائل لثاني أكسيد الكربون وغيره من الغازات التي تسبب الاحتباس الحراري، لم ترتفع حرارة الأرض كثيرًا، رغم أنها عرفت قبل ملايين السنين من قدوم البشر، لكن ربما كنا نحن أخطر مخلوق عرفته الأرض، وليس الأذكى على ما يبدو، فلو كنا بالقدر الكافي من الذكاء لأخذنا الحذر من الآن بدل الانتظار حتى الغرق.

كوارث متوقعة

ربما أنت لا تعلم ما يعنيه زيادة ست درجات مئوية، ببساطة ذلك يعني أن يذوب جليد القطبين، وتغرق معظم السواحل البحرية لدول العالم، فضلًا عن غرق دول كاملة، كدول شمال العالم فنلندا مثلًا، وحينها ربما عليك أن تودع الإسكندرية، كما ستودع باقي الساحل الشمالي لمصر، وليبيا، ودول الشام، وحتى الخليج العربي، وربما لن نستطيع إنقاذ دول مثل قطر والإمارات من الغرق!

وليست كثرة المياه فقط هي المشكلة، لكن تلك الزيادة ستخلق جفافًا في أماكن أخرى من العالم، مثلما نشاهد في الصومال حاليًا، لكنها ستكون أكثر انتشارًا، وستكون دول أفريقيا وآسيا وأجزاء من أمريكا اللاتينية الأوفر حظًا من ذلك الجفاف، عوضًا عن كون الكثير سيقضون نحبهم لعدم قدرتهم على تحمل الارتفاع الهائل للحرارة، وهجرة الكثيرين من المناطق شديدة الحرارة، كشبه الجزيرة العربية التي سيصبح العيش عليها مستحيلًا، كل ذلك يحمل العديد من المعاني الخفية، هذا يعني أن مساحة الأرض ستقل، إما بكونها قد غرقت، وإما لكونها لا تصلح للعيش للجفاف أو الحرارة، مما يعمل على زيادة الكثافة السكانية في المناطق المتبقية بشكل مهول، وربما لن تسمح الموارد الطبيعية في قطع الأرض المتبقية أن تتحمل كل هؤلاء السكان، وتصبح هناك أزمة مرعبة للغذاء والماء على الأقل، فضلًا عن حرائق الغابات وغيرها من المصائب التي لا يمكن حتى توقعها، فكثيرًا ما يكون للطبيعة ردود أفعال عنيفة جدًّا.

ابتكر حلًّا

ليتنا نتعظ إذن، حتى إن لم يصبنا ذلك الضرر -رغم أنه بالفعل يصيبنا الآن- فإنه يمكن النظر إلى أبنائنا وأحفادنا، أجيال جديدة قادمة، وربما للبشرية أجمع التي ستصبح في خطر، يمكن لكل فرد أن يكون ذا منفعة في مسيرة الإصلاح، فيمكنك أن تطفئ محرك سيارتك وتمشي تلك العشر دقائق، أو تأخذ دراجتك عوضًا عن أن تتعب في كل مرة تدير فيها سيارتك لأجل أمر لا يستحق العناء، أرح ضميرك وأرح مستقبلك إذن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد