الحرارة.. أزمة القرن

إذا كان للتغير المناخي الكثير من النتائج والانعكاسات السلبية على البيئة والإنسان، فإن أهم هذه النتائج وأخطرها هو ارتفاع معدلات درجة حرارة الأرض. وفق الدراسات التي قام بها مجموعة من علماء المناخ حتى اليوم، حصلنا على أزيد من أربعة سيناريوهات محتملة لارتفاع درجة حرارة الأرض في حدود سنة 2100، أسوئها يتنبأ بارتفاع مقداره أربعة درجات مئوية، وهو وضع سيشكل الفرق بين الحياة والموت لسكان الكثير من المناطق بالعالم، في حين أن السيناريو الأقل رعبا، يتنبأ بارتفاع بمنسوب درجة مئوية واحدة، ورغم انخفاضه إلا أنه يظل معدلًا مرعبًا في الواقع.

هذا الارتفاع المتوقع في درجة الحرارة ستصاحبه موجات حر قاتلة، سيتأثر بها حوالي 80% من سكان العالم في حدود سنة 2100. ويعيش حاليًا أزيد من 30% من ساكنة العالم موجات حر خانقة تستمر لعشرين يوما من كل سنة في المتوسط، ومثل على ذلك موجة الحر التي شهدتها العديد من البقاع بالقارة الأوروبية سنة 2018 والتي توفي على إثرها عدد كبير من المسنين وأصحاب الأمراض المزمنة.

كيف تؤثر الحرارة في الصحة؟

الحرارة الشديدة يمكن أن تتسبب في سكتة دماغية تلحق ضررًا دائمًا بالدماغ، وبالتالي ببقايا أعضاء الجسم، وتؤدي إلى الموت. الا أن الموت بسبب الحرارة لوحدها أمر نادر الحدوث، فهذه الأخيرة تُفاقم من الأمراض القائمة مسبقا بالجسم، وعلى رأسها الأمراض ذات الحساسية المفرطة مع الجفاف، مثل أمراض القلب والرئة (الربو)، وأمراض الانسداد الرئوي المزمن، وفشل القلب، فضلا عن مرض السكري. الحرارة أيضا يمكن أن تضعف من القدرة على التفكير، كما ثبتَ أنها تخفض من إنتاجية الفرد. بذلك تكون الحرارة المرتفعة بمثابة مُنشط طبيعي للأمراض القاتلة وعائق أمام التنمية.

خلال موجات الحر، يتضاعف معدل الإقبال على غرف الطوارئ بالمستشفيات لحالات مختلفة يوحدها ارتباطها بالحرارة، مثل الإرهاق الحراري وضربات الشمس، والتشنجات الحرارية، والإعياء الحراري ووذمة الحرارة والجفاف والطفوحات الحرارية والتكزز الحراري، وأمراض القلب والأوعية الدموية والدماغية، واضطرابات الجهاز التنفسي، والفشل الكلوي الحاد، والأمراض العصبية، والأمراض العقلية أيضا. أما النساء الحوامل اللواتي تعرضن للحرارة الشديدة، فإن أجنتهن يكونون أكثر عرضة لخطر الأنبوب العصبي وغيره من العيوب الخلقية.

ما الفئة الأكثر تضررًا من الأمراض الحرارية؟

هناك عوامل عدة تتحكم في قدرة الأشخاص على مجابهة الحرارة الشديدة الناتجة عن التغيرات المناخية، لكن الأهم من بينها هو عامل السن، فكبار السن لديهم قدرة أقل على التأقلم مع الحرارة المرتفعة، كما أن الأطفال قبل البلوغ قد تكون لديهم قدرة أقل على فقدان الحرارة مقارنة بالبالغين. في المرتبة الثالثة نجد العمال الذي يقضون جل وقتهم في الهواء الطلق، ولا سيما عمال البناء. وفي المرتبة الموالية هناك النساء الحوامل والأجنة.

كيف يتعامل الجسم مع الحرارة الشديدة؟

للجسم البشري آليات متطورة يستخدمها من أجل مواجه الحرارة الشديدة والتأقلم مع التغيرات المناخية، وهذا ما يجعل من كبار السن أكثر عرضة للخطر بفعل التعرض للحر، كون أجسادهم لم تعد قادرة على الدفاع والتأقلم معه.

  • التوصيل الحراري هو أهم آلية لدى الجسم البشري تمكنه من التأقلم مع الأوضاع المناخية القصوى، ويتم عمل هذه الآلية عن طريق اللمس المباشر، كأن يضع الشخص قطعة جليد مباشرة على جبين الشخص المريض بضربة شمس.
  • الآلية الثانية هي الإشعاع الحراري، مثل استقبال الجسم لأشعة الشمس من أجل الحفاظ على الدفء.
  • الآلية الثالثة هي الحَمل الحراري، وهي حين يتم نَقل طاقة حرارية باتجاه الجسم من أجل التخفيف أو الرفع من حرارته، وخير مثال على ذلك هو مكيفات الهواء الكهربائية.
  • الآلية الأخيرة التي تساعد الجسم البشري على التأقلم مع الأوضاع المناخية المختلفة هي آلية التبخر، فحين تزيد درجة الحرارة عن معدل معين يبدأ الشخص بالتعرق كآلية دفاع من أجل خفض درجة حرارة الجسم، إلا أن فعالية هذه الآلية الأخيرة ترتبط بعامل أساسي آخر وهو معدل الرطوبة في الجو، فالمناخات ذات الأغلفة الجوية المشبعة بالرطوبة تكون فيها درجة تبخر العرق ضعيفة للغاية، ما يشُل من عمل هذه الآلية المهمة.

هذه الفكرة الأخيرة تجعل بشكل تلقائي من سكان المناطق الاستوائية ذات المناخات الرطبة أكثر عرضة لأمراض الحرارة من باقي العالم في حالة ما شهدت موجات حر عالية، حيث تعتبر الحرارة الممزوجة بنسبة مهمة من الرطوبة أكثر خطرا على صحة الإنسان من الحرارة لوحدها.

عدو البشرية المشترك

من خلال ما تطرقنا له يتبين أن الحرارة هي عدو صحة الإنسان الطبيعي في حالة ما تجاوزت حدودها، إلا أن توزيع الحرارة ليس متساويًا بكل العالم، ما يجعل من ارتفاع درجة الحرارة أزمة عالمية تعاني منها بعض المناطق أكثر من غيرها، وحسب التوقعات، فالمناطق الأكثر عرضة للأمراض الحرارية هي ذات المناخات الاستوائية حيث ترتفع الحرارة والرطوبة على حد سواء، وبما أن المناطق الاستوائية في جلها دول أفريقية وأسيوية وجنوب أمريكية فقيرة وهشة، فالوضع سيكون أكثر سوءًا.

هذا لا يعني أن باقي بقاع العالم ستنجو من الآثار السلبية لموجات الحر الشديد، بل هي الأخرى لها هشاشتها الخاصة، فالقارة العجوز مثلا ذات الهرم السكاني العريق، قد تكون الأكثر تضررًا من موجات الحر بسبب ارتفاع فئة الشيوخ، خاصة أن السيناريوهات المتوقعة لارتفاع درجة الحرارة بسبب التغيرات المناخية ما تزال في مرحلتها الأولى، وفي ظل الشلل المناخي الذي تواجهه دول العالم حاليا بعد رفض بعض القوى الصناعية العالمية التخفيف من انبعاثات ثاني أكسيد الكاربون الذي يعد المتهم الرئيسي وراء ارتفاع درجة الحراة، فإن وضعية المناخ غالبا ما تُبشر باتباع السيناريو الأكثر سوءًا وهو ارتفاع درجة حرارة الأرض بأربع درجات مئوية في حدود سنة 2100، ما قد يجعل من الأرض كوكبًا غير مؤهل للاستقرار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تغيرات, مناخية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد