نشرت مجلة (تيليراما) الفرنسية تقريرًا مطولًا عن شركة (أمسيس) الفرنسية المتخصصة في تكنولوجيا المعلومات، والتي تورطت سابقًا في بيع نظام القذافي نظامًا لمراقبة الإنترنت عام ٢٠١١، وتمثل الشركة الآن أمام المحكمة الفرنسية بتهمة التواطؤ في عمليات التعذيب التي قام بها القذافي.

كشف التحقيق عن صفقة بقيمة عشرة ملايين يورو تمت بين الإمارات العربية المتحدة والشركة، قامت الشركة بموجبه بإعطاء الحكومة المصرية نظامًا أمنيًا يمكنها من مراقبة الإنترنت وحجب المواقع الإليكترونية التي يتم تصفحها من داخل مصر، بدأت المفاوضات بين حكومة الإمارات والشركة في ٢٠١٣، وقامت الشركة بالعديد من التحضيرات لتستطيع إتمام الصفقة، فعلى سبيل المثال افتتحت الشركة مكتبًا جديدًا في دبي، وغيّرت من أسماء المساهمين لتتملص من وعود الحكومة الفرنسية لمواطنيها بعدم بيع أنظمة مراقبة الإنترنت التي تتسبب في انتهاكات لحقوق الإنسان.

كشّف التقرير أن العقد بين الإمارات العربية المتحدة والشركة تم توقيعه قبل ثلاث سنوات، غير أن مصر استخدمته أول مرة في ديسمبر ٢٠١٥ لحجب موقع العربي الجديد، فيما يبدو أنه كان اختبارًا لكفاءة النظام، قبل أن تقوم مؤخرًا بحجب العديد من المواقع التي فاق عددها المائة موقع.

ومن تأمل تاريخ بدء المفاوضات بين الشركة والإمارات في أغسطس ٢٠١٣ أن قرار الحجب قد تم اتخاذه حتى قبل انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيسًا للجمهورية فقد كان مستشارًا للرئيس المؤقت عدلي منصور وقتها، أي أن قرار الحجب كان على أولويات النظام المصري بعد الانقلاب، يعطينا هذا التاريخ لمحة عن كيف يرى النظام المصري الإنترنت، حيث يرى مكافحة الإنترنت من أهم الأولويات أمامه، تجلّى ذلك فيما بعد حين ألقى الرئيس عبد الفتاح السيسي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعى في قضية جوليو ريجينى، القضية التي تمثل شرطته كمتهم رئيس فيها!

الديكتاتور يحارب طواحين الهواء

غير أن نظرة النظام للإنترنت مختلّة، فمن الواضح أن النظام المصري يتعامل مع الإنترنت على أنه ذلك الشيء الذي لا يدري أحد كنهه، على أنه سبب المصائب والثورة، وجزء لا يتجزء من حروب الجيل الرابع التي حذر الرئيس عبد الفتاح السيسي من خطورتها على الوطن وأمنه، الإنترنت بين أيدي النظام الحالي يشبه هاتفًا ذكيًا بين يدي شخص من العصر الحجري؛ إدراكه لا يسمح له بفهم طبيعة ذلك الشيء بين يديه، يتضح ذلك جليًا في تهديد الرئيس بإغلاق مواقع التواصل الاجتماعى “بكتيبتين”. ويبدو أن الإمارات قد أفهمته أن هذا النظام باهظ الثمن سيجعله يستريح للأبد منه، ولكن من الواضح أن حجب الإنترنت ليس حلًا لمشاكل النظام مع الإنترنت بأي شكل من الأشكال.

لكن قبل أن نخوض في مدى جدوى ما يفعله النظام الحالي بالإنترنت، علينا أن ندرك حقيقة مهمة، وهي أن جميع الحكومات تحارب الإنترنت، وتضم كلمة الجميع أعتى الدول الديموقراطية، كالولايات المتحدة الأمريكية، فمشاريع قوانين، مثل حيادية الإنترنت وغيرها تناقش بدون مورابة في الكونجرس الأمريكي، كما صوّت الكونجرس في مارس الماضي على مشروع قانون يسمح لشركات الإنترنت ببيع تاريخ تصفحك لشركات أخرى على سبيل المثال، كما تقوم عدّة دول بحجب مواقع الإنترنت بانتظام، ولكن وفقًا لمعايير واضحة وطبقًا لأمر قضائي.

يخبرنا ماركس أن الرأسمالية كما كل شيء فى هذا العالم تحمل تناقضاتها الخاصة، فالنظام الرأسمالي لا يستطيع أن يعيش بدون انترنت بضع ايام على اقصى تقدير، ستنهار اي بورصة بعد انقطاعها عن الانترنت ببضع ساعات، ولكن فى نفس الوقت يمثل الانترنت تهديدًا حقيقيًا للنظام، تحب الرأسمالية الانترنت وتكرهه فى الوقت نفسه، تحب الانترنت الذى يدّر الارباح ولكنها تكرّه الانترنت الذى يستطيع فيه الناس نشر وثائق سرية تفضح ممارسات الحكومة، تحب الرأسمالية السرعة التي وفرها الانترنت ولكنها تكره الانترنت الذى يسمح للافراد بتحدى الانظمة والحكومات، غير أن استقرار النظام مرهون بعدم وصول هذه التناقضات لذروتها، لذلك لم نرى الحكومة الامريكية تحجب ويكيليكس على سبيل المثال، بل إن الحجب فى الولايات المتحدة الامريكية والذى يستلزم أمر قضائى يتم عبر اغلاق الموقع نفسه من مصدره وليس حجب وتشويش اتصال المواطنين كما فى حالة مصر.

إن حجب المواقع الاليكترونية وتشويش اتصال المستخدمين بها سريعًا ما يجعل هذه التناقضات تقترب للذروة، ففي استراليا على سبيل المثال قام مقدمي خدمة الاتصالات بحجب ٢٥ ألف موقع اليكترونى عن طريق الخطأ خلال سعيهم لغلق أحد المواقع المخالفة للقانون الامر الذى يبدو أنه تكرر مع محرك البحث الاشهر جوجل فى مصر مع بداية الحجب فيبدو انه تم حجبه عن طريق الخطأ أثناء عمل الحكومة على حجب بعض المواقع التي تستخدم خدمات جوجل.

وبعيدًا عن الصعوبات التقنية الكبيرة فيما يتعلق بحجب المواقع الاليكترونية إلّا أنه غير مجدي على أي صعيد فيمكن لأي موقع إليكترونى محجوب أن يعود للعمل فقط مقابل عشرة دولارات ثمن إيجار نطاق domain جديد،كما إن الغالبية العظمى من المستخدمين يتصفحون الموقع عبر الضغط على الروابط الخاصة به من على فيس بوك وتويتر وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعى لذا لن يؤثر تغيير النطاق على عدد الزوار كثيرًا ، كما أن غالبية المواقع الاليكترونية التي تم حجبها لا يعتمد على ارباح الاعلانات فى تشغيله لذا لا مشكلة لدى تلك المواقع فى نشر كل محتواها على منصات التواصل الاجتماعى كما فعل موقع مدى مصر على سبيل المثال، أو حتى عبر تشغيل ميزة المقالات الفورية التي يقدمها فيس بوك لأصحاب المواقع، كما يستطيع أي مستخدم تصفح المواقع المحجوبة عبر أي وسيط سواء مواقع الارشفة او محركات البحث.

ما العمل؟ سؤال النظام

لكي تقوم بالتحكم بالإنترنت بشكل فعّال ينبغى عليك حجب المواقع كافة، وتكوين شبكة داخلية للإنترنت، كما يحدث في الصين وإيران على سبيل المثال، الأمر الذي يستلزم تقديم بديل لآلاف المصريين الذين يرتبط دخلهم بالإنترنت بشكل مباشر، فقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة من أهم قنوات التسويق للمنتجات، كما خلق انتشار الإنترنت آلاف الوظائف الجديدة.

كما أن اعتماد المصريين على الإنترنت في مختلف مناحي حياتهم، أصبح جليًا مؤخرًا؛ فالعديد من الجمعيات الخيرية تقوم بجمع التبرعات فقط عبر مواقع التواصل الاجتماعى، كما يعتمد عليها الكثير من المصريين لقضاء جميع مصالحهم وتغذيتهم بالمعلومات والأخبار.

لكن في الحقيقة إن المجتمع المصري متصالح كليًا مع فكرة حجب الإنترنت، فإن المصريين يقومون بالرقابة على أنفسهم منذ بدء الإنترنت، فمع بدء ظهور الإنترنت في مصر، وظهور فكرة “الوصلة” التي هي أحد اشكال الاقتصاد التشاركي، حيث يتشارك عدة مستخدمين الاتصال بالإنترنت عبر اشتراك واحد لدى مقدم الخدمة، كان يتفاخر كل صاحب وصلة أن لديه نظام حجب للمواقع على مجموعته، حيث يقوم بحجب المواقع التي يراها غير أخلاقية، وشاهدت بنفسي وصول الأمر لظهور ما يسمى بالوصلة الإسلامية، والتي تحجب جميع المواقع عدا الدينية! كما أنه وفقًا لجوجل تريند، فإن قرابة المائة مصري يبحث يوميًا على طريقة لحجب المواقع الإباحية من على الراوتر الخاص به؛ ليمنع نفسه والمستخدمين الآخرين من تصفح المواقع الإباحية.

لذا فإن المجتمع غير مهتم بحجب الحكومة للإنترنت طالما أنه لم يمّس مصالحه المباشرة، ولكن يظل حجب المواقع غير فعّال بدون مساس مصالح المواطنين بشكل مباشر، بل تهديد آلاف المصريين بخسارة وظائفهم وقطع اتصالهم مع ذويهم، ويقف الديكتاتور في هذه المعادلة الصعبة متحيرًا؛ فليس لديه ما يكفي من البنية التحتية والإمكانات ليقوم ببناء شبكة مضاهية تحقق للمواطنين مصالحهم مع تحكمه الكامل فيها، كالصين على سبيل المثال، ولا يستطيع إحكام قبضته على الإنترنت دون تهديد حياة آلاف المواطنين، ومن الواضح تمامًا أنه ليس لديه خطة في هذا الصدد، فقد قام على سبيل المثال بحجب الامتداد الخاص باستضافات أمازون عندما لجأت إليها بعض المواقع المحجوبة، ولكنه أدرك أنه بهذا يغلق عددًا لا بأس به من المواقع الإليكترونية، والتي تملكها كبرى الشركات برؤوس أموال ضخمة؛ فاضطر للتراجع عن الحجب بعدها بيوم واحد فقط.

سيخرج الديكتاتور من معركته ضد الإنترنت مهزومًا في كل الأحوال؛ فالخسائر تترقبه من جميع الجهات، ويمكننا القول إن معركة النظام ضد الإنترنت هي مثال للمعركة الكلاسيكية بينه وبين حركة التاريخ إلى الأمام التي حتى لو استطاع تعطيلها مؤقتًا، فلن يستطيع هزيمتها، وكلما حاول النظام الانتصار في المعركة بنصر نهائي، فلن يستطيع سوى تعجيل هزيمته المستقبلية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1
2
3
4
5
عرض التعليقات
تحميل المزيد