دائمًا ما ينتقد الأصوليون على اختلاف أصنافهم ومفاهيمهم الدكتور طه حسين في بعض ما ذهب إليه في قراءته للتاريخ الإسلامي، أو فيما ذهب إليه في الأدب الإسلامي، وإن شئنا أن نكون منصفين لقلنا: إن الأصوليين لم يرضوا عن الرجل في أي شيء وصل إليه.

لقد قرأت يومًا مقالة لرجل دين شهير يُعَد من أكثر رجال الدين انفتاحًا، يتحدث فيها عن طه حسين، ويضعه في مقارنة مع الكاتب الكبير عباس محمود العقاد، ويقول: إن وضع طه حسين مع عباس العقاد في مقارنة يُعَد ذلك قدحًا في عباس العقاد، وحطًّا من قيمة الرجل، ولا أعرف على وجه التحديد ما الذي دعاه إلى أن يذهب هذا المذهب، أو أن يسلك هذا السبيل؟! الأصوليون حينما يؤرخون لطه حسين يحاولون دائمًا أن يرتبوا مراحله الفكرية ببُعدها وقُربها عن الإسلام، فالرجل عندهم مر بمراحل فكرية متعددة كان أولها الانبهار بحضارة الغرب، والتشكيك في أصول الدين وقواعده، إلى أن ينتهي الأمر به في النهاية إلى الارتماء في عباءة الإسلام، والركون إلى مفاهيمه وحضارته. نحن لا نرى هذا على الإطلاق، فالرجل صاحب منهج فكري واحد من لحظة ميلاد فكره إلى نهايته، وإن مر الرجل بشطحات فكرية لا ترضيهم ولا ترضينا، فهي شطحات فكرية خاضعة لعقل الرجل ومنهجه الفكري، مثله مثل مئات المثقفين في أي زمان وأي مكان، وفي أي حضارة من الحضارات.

يقول الأستاذ محمود محمد شاكر وهو يُعلق على ندوة أُقيمت للدكتور طه حسين في الجامعة الأمريكية: «وأنا وإن كنت أظن أن الدكتور طه لم يُوَفق في كلمته كل التوفيق، ولم يمس أغراضها إلا مسًّا رقيقًا غامضًا بعيدًا، فإني أعترف بأنه قد استطاع بحسن تحدُّره في المعاني أن يثير من الآراء ما يجب أن يُثار في أفكار هذا الجيل». أجاد الأستاذ محمود شاكر فيما وصل إليه في فهمه لعبقرية طه حسين التي لم يفهمها الأصوليون، وهو أن طه حسين كان بارعًا في الوصول إلى ثقافة شباب الجيل التي يعلمها طه حسين أشد ما يكون العلم، تلك البراعة التي من الصعب على مثقفين آخرين الوصول إليها.

سنحاول أن نُجمل هذا الاختلاف الفكري بين الرجل وخصومه في معركة شهيرة دارت بين الرجل وعَلَمٍ كبيرٍ من أعلام مؤرخي التاريخ الإسلامي، وهو الأستاذ رفيق العظم صاحب كتاب «أشهر مشاهير الإسلام في الحرب والسياسة»، فلقد بدأت المعركة بحديث للدكتور طه حسين في حديث الأربعاء عن الشاعر أبي نواس، قال فيه الدكتور طه حسين: إن الشاعر لم يكن كله مجونًا ولهوًا، وإن الرجل رَوى عن أعلام، وروى عنه أعلام آخرون، وإن الرجل على كل حالٍ كان يُمثل بيئته ومجتمعه وثقافة عصره، وإن عصره كان يمتاز أكثر ما يمتاز باللهو والمجون والشك، وإن الرشيد والمأمون ذهبا من الشك والاستمتاع بهذه اللذائذ في ذلك العصر، مذهب أبي نواس وأضرابه من شعراء المجون. رد عليه الأستاذ رفيق العظم في مقال له بأن المقدمات التي بنى عليها طه حسين رأيه من الممكن أن تكون صحيحة لأول وهلة؛ لأنها تستند على أشعار وأخبار مكتوبة ومنسوبة لقائليها، ولكنها ما تكاد تعتريها الصحة عند البحث والتدقيق، فليست الأخبار المنسوبة إلى أبي نواس والمأمون والرشيد كلها صحيحة، وأنه لو صح شيء من هذا لم يكن دليلًا على شيوع الفحش والشك والفجور في المجتمع؛ لأنه مجون لا يتعدى الماجن مهما تطاول إلى النَّيْل من سواه.

عقَّب أخيرًا الدكتور طه حسين على مقال الأستاذ الكبير رفيق العظم بأن رده لن يفيد شيئًا في محاولة اقتراب وجهات النظر؛ لأن الخلاف بينهما جوهري جدًّا، لأنهم يسبغون على التاريخ الإسلامي وأشخاصه الذين صنعوه من القداسة والتبجيل، تحُول بينه وبين النظر فيه نظرًا يعتمد على النقد والبحث العلمي، ويرى أن هذه النظرة المقدسة وهذا المذهب -مذهب تقديس الأشخاص- طور طبيعي من أدوار التاريخ لا بد من أن يمر به؛ بل طور من أطوار الحياة العقلية والسياسية للناس لا بد من أن يمروا به، ذلك أن الناس في مراحل الضعف والخمول لأمتهم يضطرون للرجوع إلى ماضيهم الغابر، يركنون إليه ويأنسون به، وبالتالي يسبغون عليه هذه القداسة وهذا التبجيل، ومن ثَمَّ فإن منهج الأستاذ رفيق العظم اتهمه طه حسين بأنه يركن أول ما يركن إلى التقديس والتبجيل، وكان من المفترض أن يركن إلى التحقيق والبحث العلمي.

لم ينكر الدكتور طه حسين أن كثيرًا من أخبار رجال التاريخ ليست بالصحيحة، وأنه من المؤكد أن حياة المأمون والرشيد وأبي نواس بعد كل هذه الروايات وهذه الأخبار لم تكن كلها صلاحًا وتقوى، ونسكًا وعبادة، وتلك طبيعة الناس في كل أمة من الأمم، وأن هذا المجون والشك كان طبيعيًّا جدًّا لأمة تنتقل من طور البداوة إلى طور الحضارة، وتمتزج بالأمم والثقافات الأخرى، وأن هذا الانتقال وهذا الامتزاج لم يكن ليبعدها عن هذا المجون وهذا الشك.

سيرفض الأصوليون ادعاء طه حسين بأن عصر الرشيد والمأمون كان كله مجونًا ولهوًا، وسيرفضون أيضًا ادعاء طه حسين بأنهم ينظرون للتاريخ نظرة التبجيل والتقديس المنافية للبحث العلمي، لكننا على كل حال لا يمكننا أن نرفض الفكرة التي ذهب إليها الدكتور طه حسين بشكلها ومضمونها، ومن ثَمَّ لا يمكننا أن نرفض كل أفكار الرجل التي سارت على هذا النمط الفكري، الأدبية منها والتاريخية. إن طه حسين كان مسؤولًا عن ثقافة مجتمعه، وكان حريصًا على أدب شباب الجيل وأخلاقه، لكنه في الوقت نفسه يريد منهم ألا يدعوا شيئًا إلا وتعلموه ووعوا مراميه، فلا يأخذوا الفقه ويتركوا الشعر بكل ما فيه من مجون ولهو وعبادة، يريد منهم ألا يرددوا علم الكلام ويتجنبوا اللذة ومُتع الحياة، لا يريد منهم أن يتعلموا أن تاريخ أسلافهم كله فقه وتفسير وحديث؛ بل كان فيه قسط كبير من اللهو والشك والمجون يختلف بالطبع حسب الزمان والمكان.

أظن أن هذا رأي من آراء الدكتور طه حسين التي لا تُرضي كثيرًا من أعلام الأصوليين على اختلاف ثقافاتهم وطبائعهم، وكانت على كل حال اجتهادات عقلية لها من المكانة والرقي ما ليس لآراء غيره من محبيه وكارهيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ادب, تاريخ, نقد

المصادر

كتاب من حديث الأربعاء طه حسين
عرض التعليقات
تحميل المزيد