ثقل التاريخ

عن البدايات الكامنة في دقائقنا وكوامن الأرض، التاريخ الذي هو نحن مطمورون، معادون، مجددون، خالدون، عابرون، ومتشابهون للغاية كتشابه البداية والنهاية في كل حكاية .. هذا بفرض أننا نعرف أي شيء حقيقي عما يسمى بداية، أو أننا نمتلك القدر الكافي من الحمق والقدرة على مغالبة طاقات الحياة كي نجعل هذه نهاية العالم .. أو أننا نمتلك قدرا من التجريد يجعلنا نطلق مسمى الدائرة على بداية لا نرى أبعد منها ونهاية لم نقترب بعد من عالم يختلف عنها.

 

هؤلاء الأقدمون، التاريخ العتيق للعالم؛ حينما كانت قلوب –نظنها أقرب للجهل بماهيتها- تخفق في صدور أصحابها وتدفعهم نحو الحياة.

 

ما الفرق بيننا وبين هؤلاء الذين عاشوا من ألفي عام ؟! .. من ثلاثة آلاف أو حتى خمسة ؟! .. هل تصدق لو عرفت ألا فرق على الإطلاق ؟!.. أن الجهل الذي يظنه البعض فرقا واضحا لم يكن حادثا، بل هو افتراء.. أننا نحيا في التكرار الممل، التخبط المستمر الذي لم يجد البشر له غاية أو يلجأوا منه إلى مخرج واضح ثابت.

 

هل تعتقد بفرض أن البشر من بداياتهم حتى اليوم متشابهون، سواء من بداياتهم من آدم، أو بداياتهم من تطورهم من القرد الأكبر حتى وصلوا للحالة التي نستطيع أن ندعوها –بصدر رحب- بالحالة البشرية؟!

 

 

 

حسنا، هذا هو الرأي الواضح لنا الآن اعتمادا على المكتشفات التاريخية من بدايات عصر الحضارة، عصر الاستقرار الذي ترك لنا مخلفات واضحة دالة على حالة عقلية مشابهة لنا، العصر الحجري كما يدعونه، فنستطيع أن نحكم على البشر حينها..

 

كانوا يستخدمون الحجارة كأدوات يومية، لكنهم لم يستطيعوا إخفاء طبيعتهم فرسموا عليها خطوطا ورسوما بسيطة، كعلامة على الذات البشرية التي تبحث دائما عن إثبات الوجود الخاص بها وصبغه على المحيط، بعبارة أخرى مقاربة؛ رغبة البشر في الخلود والسيطرة.

 

المشكلة أننا وفي علاقتنا بالتاريخ نننظر إلى هذا المشهد، ولا نذهب إلى أبعد، فنظن أنهم كانوا بلا حركة تحسب.. تصلنا بعض الآثار العظيمة لهم، فنفصلها تماما عن المشهد ونعظم أصحابها والعقول المبدعة المفردة التي أنتجتها في معزل عن تيار عالمي تدعمه تطورات في كل اتجاه وانفجارات؛ من لغات تنمو وتشكلنا نحن القادمين، من أفكار تحدد اتجاه العالم المستقبلي، من حياة متعصبة لأصحابها لدرجة أنها تعطيهم كل شيء إذا حاولوا قليلا، فيظنون أنهم غاية كل العصور، وأن كل ما عداهم جهل، وأن العالم لن يجد تقدما يبهر به أبناءه المنتظرين.

 

أتعرف كم لحظة اقترب البشر فيها من الغاية ؟! .. مثلا الفسلفة .. كانت الهند تفيض بها في كل اتجاه حتى عم الفيض إلى الغرب، فأخذها اليونان وصنعوا منها كل الفلسفات الحديثة، وأعني بها الفلسفات الحديثة بذاتها لا أساس الفلسفات الحديثة، فنحن نحيا الآن في تكرار ممل وإعادات لصياغة الفلسفة اليونانية، التي هضمت كل فلسفة العالم القديم ووصلت بها للنهاية التي وقفت عندها عاجزة.

 

قدمت كل ما لديها في ابنيها الأخيرين، من أبيقورية ورواقية، وتركت العالم يقتبس ويحاول التطبيق، وينسج على نهجها أديان قائمة على أساسها حتى الموحدة منها (فالفلسفة اليونانية كانت إما موحدة، وإما مستخفة بعقائد الدين، أو غير مبالية به) ثم يدعي التفوق على كل القديم وينعته بوصف الجاهلية الوثنية، ويستقر في عالم يظن أنه يختلف كثيرا جدا عن كل ما هو سابق .. حتى إنه يعيد إنتاج نفس الفلسفات بمسميات حديثة إما اقتباسا من القديم أو إثباتا لتشابه العقل البشري وردود فعله في كل بيئة تقترب من غيرها..

 

كنت أسمع أن النهضة الأوروبية بدأت باستخدام البخار كمثال للتطور الصناعي، لكن الحضارة الهلنستية (أي اليونانية لما فاضت على العالم بعد فتوحات الإسكندر) كانت فيها مكتشفات بخارية، بل ومكتشفات لتركيب الجسم بالتفصيل مع تطور عظيم لعلم وظائف الأعضاء، وانتصار مدوٍ للهندسة والعمارة، حتى أن تاليتها العنيفة –الحضارة الرومانية- بقيت كثير من منشآتها حتى اليوم مستخدمة لا تبلى من طرق وجسور، ووصلت البنوك فيها لكل تطبيقاتها الحديثة، واعتمدت الدولة في تطبيق منشآتها العامة على شركات خاصة تقدم مناقصات بشروطنا الحديثة، وكانوا يستطيعون الوصول لما هو أعظم في مجال العلوم الطبيعية والطب لو لم تستولِ روما على العالم وتعمم نزعتها المحافظة الداعية للقديم وتقضي الحروب على أعظم المكتبات القديمة، ولو لم تُرفض المخترعات التي أدت إلى الثورة الصناعية الغربية لأنها ستؤدي لتبطل عدد ضخم من المواطنين وما يتبع هذا من مصائب.

 

وقد كانت كل عاصمة حضارية في العالم القديم تماثل قرينتها في أي عصر تالٍ مع اختلافات بسيطة أحيانا ما تصب في صالح القديم مع ما يثير هذا من العجب؛ فكل مصطلح سياسي تقريبا ورثناه عن الأقدمين –الرومان بشكل خاص لأن اللاتينية هي أساس اللغات الغربية الآن- مع تطبيقاته من ملكية شاملة وملكية دستورية وجمهورية ديمقراطية وجمهورية أرستقراطية واشتراكية وديمقراطية كاملة وغيرها من كل درجات الثورات وأنواعها وأساليب قمعها وأحوال سقوطها بعد انتصارها، بل ونجاحات بعضها كذلك.

 

كأن التاريخ –إذا قرأناه بتمعن- يخبرنا أن نهدأ قليلا وأن نتخلى عن ذاتينا المهلكة، ونعيد كتابة تاريخنا الحديث على ضوء جديد بغير تحيز، فنعرف أن المصيبة الأكبر للبشرية هي النسيان والتحيز للذات تماما مع تحقير القديم، أو استغلال منجزاته كفخر شخصي، أو العكس وهو إلغاء الذات مع الدعوة للعودة للقديم لأنه الأفضل والأطهر، مع أن السخرية الأكبر وضوحا في عالمنا البشري هي أن الطهر الكامل مجرد أمنية لا أكثر، تدفع بمعتنقها المثالي نحو الإسراف في الخطأ أشد من غيره.

 

إذا فربما يصبح العلم الأهم هو دراسة القديم ومعرفة أسباب الانهيار ومحاولة تفاديها، لأن العالم لم يسر دوما للأمام، بل سقط كثيرا في الحضيض من شاهق عظيم، وربما يصبح السؤال الفلسفي الأهم هو ما الذي يفيده العالم من كل هذا العدد من البشر ومن هذا التكرار الممل في الحوادث، وأن يتجاوز الفرد صدمته عندما يدرك أن ذاتيته العظيمة التي يتبجح بها ويؤذي بها كل ما تطاله يداه ليست عظيمة بهذا القدر، وأن الوطنية كانتماء لبلد بعينه وعرق بعينه ليست إلا إمعانا في فقدان الاتجاه، وأن كثيرا من الجهد الذي يبذله البشر بلا طائل، وأن حياتنا معرضة لأن تنتهي إلى اللاشيء كاحتمال أقوى من أن تفيد.

 

فليس لنا دور البطولة في قصة العالم، وربما كل حضارتنا الحديثة التي نتبجح بها ستسقط أيضا كما فعلت سابقاتها ولن تعطي البشر السلام الذي يتحدثون عنه.

 

هذا هو الاتجاه العملي، الذي يرفض الاستسلام ويحاول التمسك بشيء يستحق الفعل في هذه الوجهة من النظر، وهو يدعى حسب فلسفة الأقدمين بالرواقية .

 

أما الاتجاه الذي يعتنق الأسئلة المتشككة في قدرة البشر النفسية على تحمل السلام والوصول لمجتمع قادر على البقاء دون خمول مع فكرة واضحة عن الانتماء للبشرية كلها، وعن كون السبب (أو الأسباب) الذي أدى إلى كل الانهيارات السابقة أساسيا في البشر بشكل عام، وألا فائدة ترجى من أي شيء نسعى إليه في عالم لا يستمع فيه بشري إلا إلى صوت غروره.

 

هذا الاتجاه له ما يبرره أيضا، وما يتمخض عنه من أبيقورية (أي انغماس في الحياة الشخصية مع سعي دائم تجاه الفضيلة والحب) أو عدمية وما تنتهي إليه من تدمير صاحبها.

 

لكن ما رأيكم ما دمنا هنا ولم نقرر الانتحار بعد، أن نحاول الوصول لحالة وسط تسعى في جزء منها إلى إفادة البشرية ومحاولة جذبها نحو حالة أكثر استقرارا واقترابا من الغاية في كل طريق، لكن دون تعصب أو اقتناع بشمولية فكرة واحدة، ودون إسباغ مسميات الفضيلة على الغرور الشخصي والرغبة في السيطرة اللاواعيين، أي اقتراب أكثر من الفكرة القديمة جدا القائلة بتقبل الآخر ورؤية الخير في كل طريق والقدرة على استخلاصه بأقل الخسائر.

 

أي تطبيق الرواقية الجميلة مع تخلي عن الكثير من جوانب تعسفها وقسوتها .. ومع هذا العمل، لا ننسى أنفسنا، ونعرف أنه لا داعي لأن نموت لأجل أفكار مجتمعية ربما لن يستمع إليها أحد ( أي أن نحصل على مزج للعدمية والأبيقورية) ونقتطع جزءا لا بأس به من وقتنا لأنفسنا ولدعائم الحب والاستقرار في حياتنا الشخصية، ومع هذا الجزء نطور قدرتنا على أن ندخل في حالة عدم اهتمام تام بأي شأن عام إذا دعى الأمر.

 

ثم نصنع مزيجا من كل هذا، فنكون دائما على مسافة من الذاتية القحة وعدم الاهتمام بالغير، وأيضا على مسافة من خسارة حدود النفس أمام أي قادم مجتمعي، فنحمي أنفسنا من الذوبان، ونحمي المجتمع من أن يكون صورة لذواتنا يحاول كل منا أن يكسب فيه معركته الوحيدة ويفرض سيطرته على أكبر رقعة ممكنة.

تاريخحضارة