ولدتُ لأب مصري يعيش في الخليج، وطوال سبعة عشر عامًا كنت أسأل: من وضع كل تلك القوانين، وعلى اي أساس قد وضعت؟ ولهذا المقال اتساع رهيب في أراضي الفوضى؛ لأنه يجمع بعض المشاهد التي يجب أن تتوقف عنها وتتساءل، وأنا في بدايته الحقيقة لا أعلم هل قد أستكمله أم لا، وربما إن توقفت ورأيت أن هناك المزيد، سأكتب في نهايته: يستكمل، ها أنا أبدأ:

– ما الذي يدفع الجالية المصرية لأن يتعصب أفرادها إذا ناداهم أحدهم: يا مصري؟  رأيت الكثير من الكوارث بعد تلك الكلمة تحديدًا، وعلمت أن القصد منها الإساءة باسم الوطن نفسه، أي أن مصر هي عيبنا الذي نحمله معنا على جواز السفر والاقامة والتأشيرة وتذكرة الطيران وفي بعض أسمائنا أحيانًا، وقد زاد الأمر أن مصر لم تكن الأهرامات والنيل والحضارة، لم تعد في نظر سكان الخليج تلك التي كان زكاة سبع سنوات منها ساهمت في بناء الأقصى، لم تعد مصر البلد التي أوصي بها الرسول، بل هي تختصر الطعمية وفيفي عبده، والجميل ذكره أنه في كل مرة زارت فيها فيفي عبده السعودية كان مرحبًا بها!

لماذا حتى اليوم لا تقول فيفي عبده إن بلدها الثاني هي السعودية أو الامارات؟ حتى حينما ينادينا البعض: يا ابن فيفي عبده، نرد عليه: ماشي يا شقيق، حتى الآن لا أعلم ما مشكلة سكان الخليج مع فيفي عبده، لماذا لا نكون أبناء ليلى مراد أو سعاد حسني؟

لا أعلم حتى الآن، لماذا هناك مصريون من بيننا يبيعون أنفسهم بكل بساطة للكفيل، وآل الكفيل، وآل آل آل الكفيل شخصيًا، حتى إنني عندما ألتقي بأحدهم يبدأ في التسبيح بحمد السعودية، وأن مصر الخراب والدمار والعري والدعارة، ذلك البلد اللعين الذي يغضب السعودية وغيرها من دول الخليج، وفي الكثير من الأحيان يصل بهم الأمر إلى أنهم يقولون: شوف يا أخي.. الشعب السعودي شعب محترم، و الله العظيم أحسن شعب في الدنيا، أتساءل دائمًا سؤالًا يلخص القصة: هل هولاء الناس عندما يدخلون لعالم الإنترنت يبحثون عبر تويتر على كلمة سعودية فقط، أم بنك الراجحي السعودية؟

يسهل دائمًا معرفة وجهة المصريين في المطار، إذا استشعرت أن هناك حقيبة بها خضروات وفواكه ولحوم و دواجن من مشهد صاحبها وهو يحملها ، إذن هو مسافر إلى الخليج! في بعض الأحيان يمكنك تمييز أي بلد في الخليج، بعد أن تكون خبيرًا في الخليج نفسه، الجالية المصرية في دبي بالأخص لديهم في مظهرهم شيء من الحرية، الجالية المصرية في قطر لديها ملابس تشبه التي نراها في محلات المحجبات، وأما الذين يذهبون إلى السعودية يبدو على مظهرهم جميع سلاسل أفلام بات مان، وقد تستطيع تحديد سبب السفر أحيانًا، مثلًا المسافر سياحة إلى دبي يكون مبتسمًا، أما السعودية، فيسأل: عن المصلى في المطار؛ ليقول لك إنه سيدعو لك في العمرة التي دفع فيها أغلى ما يملك، وأما الذي يذهب ليقطع عطلته، ويعود للعمل هو في الحقيقة يلعب «كاندي كراش».

لا أعلم حتى اليوم ما الذي يجعلنا كمصريين غير أي شعب عربي آخر، نعتقد بأن لقاء مصري آخر في المنافي هو نذير شؤم، أثناء رحيلي من مكان لآخر كنا مصريين منغلقين ونصنع مجتمعًا على خريطة البلد الذي نحل به، حتى عندما نسافر من مدينة لأخرى يكون في الخطة شيء من اثنين: أن نعلن أننا رحلنا من مدينتنا إلى تلك المدينة لكي نزور أصحابنا وأقاربنا وذوينا، أو لا نعلن أننا رحلنا من مدينتنا إلى تلك المدينة؛ لكي لا نزور أصحابنا وأقاربنا وذوينا، لكن عندما نأتي إلى مصر ونسكن فيها للدراسة أو للعطلة الدراسية – للذين كانت دراستهم في المنفي – يتقدم قريب طاعن في السن لكي ينصحنا بالحذر من المصريين الذين يأكلون الأطفال والشيوخ والأرامل والمطلقات في الغربة.

لا أعلم لماذا يتقاضى الشخص من بيننا راتبه بالريال أو الدينار أو الدرهم أو حتى الليرة، ويحسبه بينه وبين نفسه بالجنيه، يشتري في السوق أية علبة زبادي لأن ثمنها نصف ريال، أي أنها بجنيهين ونصف، وقد يعيدها لأنه شعر بأنها بجنيهين ونصف، وهو مبلغ كاف لشراء عشر سجائر فرط كليوباترا، التي حملتها سفن وطائرات عبر البحر الأحمر لكي تباع في محلات البقالة التي يديرها الباكستانيون، والذي يجعلك تتحير من أنه يفكر في الإقلاع عن التدخين؛ لأن خمسين جنيهًا في علبة السجائر شيء مضر .. لان ثمنها في المنفي الخليجي 10 ريالات، وهو ما يجعلها مطمعًا للمراهقين الفقراء؛ لسعرها الرخيص .

لا أحد يعلم لماذا يقول المصريون عربية في الخليج وسيارة في مصر، بينما يجب أن يكون العكس! ألاحظ هذا في الحقيقة على من هم قريبين مني أو غير ذلك، كنت ألتقي بهم في مصر وهم يتحدثون عن السيارة، وحينما أنتظر عربيتهم في الخليج كانوا يسمونها عربية، وهذا يدل على أنهم في الحقيقة يعملون ولا يفكرون فيما يقولون.

الذين يتعلمون في الخليج لديهم نظرية أن التعليم في مصر سهل، وبينما الأهالي في مصر كل عام يتواصلون مع أقاربهم في الخليج؛ لكي يرسلوا أبناءهم ليحصلوا على المرحلة الثانوية من الخليج، يقول بعض الذين أخذوا الخطوة السابقة بأن الحكومة تغار من بعض الذين حصلوا على مجموع درجات عال في الخليج، لذلك لا يمكن أن يدخلوا كليات القمة بسهولة، ولكن الله ينصرهم ويدخلونها وبعضهم يحصل على منح، وفي الجانب الآخر يقولون: بأن التلاميذ السعوديين أغبياء، ويقولون بأنهم يخجلون من المصريين في مصر بسبب أفعالهم واختلاطهم مع الفتيات، وبعض الذين يتعلمون في الخليج حتى المرحلة الجامعية عندما يعودون إلى مصر تصل استغفاراتهم وحسبنتهم إلى المليون لكل ساعة تقريبًا، وحتى الآن أنا لا أعلم لماذا يرحل كل منهما من ضفة إلى أخرى لنفس النهر الأبله!

– يستكمل

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد