حالة مفزعة عندما تشعر بالغربة داخل وطنك، طبعًا لا نعني الاغتراب الذي يصاب به بعض المرضى النفسيين، لكن نحن نتحدث عن غربة تنتاب الأسوياء، ربما في تراثنا نماذج قد تقربنا إلى هذا المعنى، من طراز “الفقر في الوطن غربة”، غير أن الإحساس بالفقر تعدى مفهومه القديم الذي يعالج ربما بكسرة خبز، أو بصلة، ولعل الأخيرة قد تمثل في وقت من الأوقات حالة ترف، لمن أذاب الجوع لحمه، ودق عظمه.

بل إن الفقر نفسه تجاوز معنى اللقمة وسد الرمق، وأصبح أوسع من سد حاجة، إلى أفق ممتد من الحرمان، قد يتصف به شخص لا يملك سيارة أو موبايل (آيفون) مثلي، ومع تعقيدات العصر، كما يراها أولئك الذين (لا ينوشون العنب)، فيقولون عنه حامضًا، ليس كسلًا، كالذي كان عليه (تنبل أبو رطبة)، عندما كان يستلقي تحت نخلة فاتحًا فاه، منتظرًا تمرة تسقط فيلتقمها، وإنما حلم لا يتحقق، مهما حاول وسعى، لذا هو يروض نفسه، ويكبحها حتى عن المشاهدة والتطلع.

لا شك، هذا لون من ألوان الغربة، ولا سيما مع وجود النقيض الذي يمثل الوجه الثاني لصورة الوطن، حيث مظاهر الترف والثراء، وكأن هناك حالة انفصام داخلي، بين حي راقٍ، وآخر من صفيح (تنك)، برغم أن البلد الذي أعيش فيه، مسجل في قائمة الدول الغنية، لكن مع وجود المحسوبيات والمنسوبيات، وابن السيد والمسود، ومافيات الفساد، تبرز التناقضات بالتأكيد، ولو أجرينا مسحًا بين بيئتين اجتماعيتين على أساس السكن والمعيشة، لخرجنا بنتيجتين مختلفتين، إحداهما أن العراق أغنى بلد، فيما ترى الأخرى أنه أفقر بلد، وكلا المسحين يمتلك من الأدلة ما يؤكد صحة استنتاجاته.

غير أني، لا أكتمكم سرًّا، قد أقحمت في هذه المعادلة، مع أني لم أقصد هذا النوع من الغربة التي عنونت لها موضوعي، فربما يتواسى الفقراء فيما بينهم، وتتشكل عوائل وأواصر يجمعها هم المعيشة والسكن، وقد تتآلف القلوب على فراش الفقر والعوز والحاجة، حتى لا يبقى مكان للغربة فيها.

الغربة الأشد مرارة التي بدت تتشكل، بل وتستوطن، هي التي تنتزع معنى المواطنة من الناس، ويقتل فيها الآخر إرضاء لغريب له مآرب أخرى وغايات من خارج الحدود، فيستخدم ابن وطني لقتلي، ويحرض ويحرش بحسب مقتضيات المشروع الذي يتبناه، ليعيد توزيع خارطة السكان، بعد أن كانت خليطًا متجانسًا، فيمزقها، ويضع لها الحواجز الكونكريتية والنفسية، وينفخ في النفوس دعوات الثأر والانتقام.

الغربة، عندما أبحث لنفسي ولأسرتي عن ملاذ آمن خارج الوطن، ليس هربًا من جناية، أو حكم قضائي يلاحقني، وإنما الخوف من مصير يتهددني، بسبب الهوية والمعتقد، وربما الاسم أو اللقب.

الغربة عندما تختلط الأوراق أمامي، وتتداخل الخطوط، فلا يُعرف موطن الأمن من موطن الخوف، كما لا يُعرف الشرطي، من اللص، بل لا تدري مَن الشرطي ومَن اللص.

بعد هذا أنت مطالب بالتفاعل والانسجام والتواصل والوئام، لكن لا تتعجب أن يأتيك من يسألك ببراءة أو بخبث: “معقولة أنت بعدك عايش؟”، وعليك ساعتها أن تفكر بالرحيل، فالشريك، لا يريدك أن تشاركه، في نصيبه من الوطن، فيما تبقى الواجهة (العراق وطن الجميع) بين النخب السياسية فقط، للسمعة الدولية ليس إلا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد