لقد كانت كلمات أحلام مستغانمي في رواية عابر سبيل أشد تصويرًا للواقع الذي نعيش به، بل أشد وقعًا من طلقات الرصاص الموجهة على جسد بات غريب الروح: النّاس تحسدك دائمًا على شيءٍ لا يستحقّ الحسد؛ لأنّ متاعهم هو سقوط متاعك، حتّى على الغربة يحسدوك، كأنّما التشرّد مكسب وعليك أن تدفع ضريبته نقدًا وحقدًا، فالغربة يا رجل فاجعة يتم إدراكها على مراحل، ولا يستكمل الوعي بها إلا بانغلاق ذلك التّابوت على أسئلتك التي بقيت مفتوحةً عمرًا بأكمله، ولن تكون هنا يومها لتعرف كم كنت غريبًا قبل ذلك؟ ولا كم ستصبح منفيًّا بعد الآن؟

كتراقص قطرات المطر في فصل الشتاء باتت حياتنا اليومية، مبنية على بعض العبارات وبعض الابتسامات الزائفة، وكأن الكلمات باتت بلا حركات تحركها ودب بها السكون، وكأن الأسئلة التي كانت تطرح اغتصبت منها علامات الاستفهام.

الجوع، والفقر، والحقد، والخصومة، والحب، والحرب، والشوق، والحنين، والخيانة، والغدر، جميعها باتت موضوعًا لأحاديثنا السرية والعلنية، وكأن الحياة باتت غريبة عنا وبتنا نحن غرباء بها، كلها كلمات باتت تمزق ما بداخلنا إلى أشلاء كقذيفة وقت على منزل من الزجاج.

لم نكن نعلم أننا قد نصبح غرباءً حتى وأن لم نغادر عتبات منازلنا، بتنا غرباء الروح في غربة الوطن، وأصبحنا في غربة روح ونحن في أوطاننا، وإن اقتصرت الكلمات على وقعٍ موسيقي مختلف فالمعنى يصب جميعه في كلمة غربة، تلك الكلمة التي ما لبثت إلى وأن تقفز إلى قاموس حياتنا اليومي، فالوجع بات في الجسد ونبض الكلمات أصبح كثقل يزيد من وجع مخارج الحروف.
أحبك، أريدك، أحتاج إليك، اقترب أصبحت كلمات تثقل القلب وكأنها عبارة عن آلة حادة تمزق أجسادنا عند التفكير بالنطق بها، فما بالك لو نطقنا بها حقًا؟

ما يعاكس تلك الكلمات عبارة عن مرآة أردنا أن نرى ما هو جميل بنا، ولكن أخرجت لنا كافة عيوبنا، الأمان الابتعاد عن العين والحسد والخوف والقلق البكاء كرهك من الانزعاج الدائم من الحياة، كلها باتت محط اهتمامنا ومواضيعنا اليومية.

ماذا رأى جيلكم؟ وماذا فعلتم؟ ماذا غيرتم؟ بما أثرتم؟ كلها أسئلة باتت تتناقلها الأجيال جيلًا بعد جيل، لكننا لم نسأل ذات يوم لما لا نفعل ذلك ويكمله الجيل القادم؟ أصبح اليأس الركيزة الأساسية التي نرتكز عليها في حياتنا اليومية وكأننا ننتظر القدر لخطف الروح من أجسادنا، الجسد الذي بات بلا روح.

لقد اشتقت ذات يوم لأحدهم وكتبت له وقرأت بعضًا مما أرسله لي، ولكنني أخفيت تلك الكتابات عنه وهو يعلم ما بداخلي اتجاهه، لقد سيطر علينا الخوف من ردة فعل الآخرين حتى من هم أقرب إلينا لم نستطع القول لهم ذات يوم بأننا نحبهم، حتى تلك الكلمات العظيمة باتت ثقيلة على اللسان.

ربما العادات أثقلت همومنا، وربما التقاليد باتت ميؤوس منها في هذا القرن، لا أتكلم عن العادات والتقاليد الاجتماعية، بل العادات والتقاليد في الحب والتبصر عن كل شيء يحكمه عادة وتقليد جبان داخل قوقعة التخلف الرمزية والتي أخذت من المنديل تاجًا يوضع فوق رأسها لتأتي أنت أو أنتِ ذات يوم لتقبيل يدها والتي تشكل الحياة المستعارة لدى البعض.

ربما أصبحنا في غربة الروح ولكن تلك المشاعر كلها تمت سرقتها بواسطة حبر على ورقة جافة احتفظنا بها في دولاب ملابسنا أو في مكاننا السري، حتى سرقتها من خلال كبسة زر على حاسوب شخصي أثقلته الهموم التي في داخله.

ما زال مسلسل النكبات يتتالى علينا في حياتنا ولا زالت هناك أجزاء مفقودة، فأجزاء كالحب والفقدان والغربة تم الوصول إليها، ولكن الخوف كل الخوف من أجزاء قادمة لا نعلم عواقبها مع تسارع عقارب الساعة، الخوف من الجمود الذهني الذي بات يراودنا أينما ارتحلنا وحللنا، وكأننا نضع خط نبض قلبنا على تلك الخفايا دون التحرك لأعطاه صدمة كهربائية لإنعاشه من جديد.

كفاكم حقدًا واستغلالًا وتقيدًا وطمعًا وجشعًا واستغابة وتكبرًا ورحيلًا ويأسًا وإنكارًا للذات وتصنعًا وحسدًا وغلًا وكرهًا، الحياة للجميع والآخرة أيضًا، وتذكروا دائمًا أن الحب هو الإقامة والثبات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد