ميز الله – عز وجل- مصرنا الحبيبة بالعديد من النعم والهبات التي لا تُعد ولا تُحصى، ويكفينا فخرًا أن ورد ذكرها في القرآن الكريم في أكثر من موضع؛ فهي أرض الأمن والأمان والسلم والسلام، مهما واجهت من محن وشدائد، ففيها خير أجناد الأرض، وشعبها في رباط إلى يوم الدين، وكفى بالله – عز وجل- شهيدًا: «ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ» صدق الله العظيم، سورة يوسف- الآية 99.

على مر العصور توافدت العديد من الجنسيات على أرض مصر تحتمي بها، وتزايدت هذه الوفود مع تصاعد وتيرة أعمال العنف في منطقتنا العربية خاصة، وفي العالم بأسره عامة. احتضنت مصر هذه الأعداد المتزايدة كما تحتضن الأم أولادها، بصرف النظر عن الديانة أو العرق، وساعد على ذلك سياسات الإدارة المصرية وطبيعة الشعب المصري الودود والمضياف بالفطرة، وما حدث مع أشقائنا السوريين ليس ببعيد، فلم يشعر أحد منهم بالغربة، ونمت واستمرت حياتهم على أرض مصر كما لو كانوا في أرضهم الأم سوريا، نجحوا دراسيًّا واقتصاديًّاواجتماعيًّا، ولم نسمع عن أي انتهاك لحقوقهم أو سوء معاملة لهم، ناهيك عن بعض الدعوات المغرضة ضد وجودهم في مصر، وهذه قلة قليلة لا يعتد بها.

من هذا المنطلق يطرح التساؤل نفسه: ما الهدف وراء هذه الدعوات المغرضة ضد وجود أشقائنا العرب في مصر في هذا التوقيت بالتحديد؟

جاءت هذا الدعوات بالتزامن مع التعديلات التي تمت لقوانين تنظيم منح الجنسية المصرية، وهي قانون رقم (89) لسنة 1960 بشأن دخول وإقامة الأجانب على أراضي جمهوية مصر العربية والخروج منها، والقانون رقم (26) لسنة 1975 بشأن «الجنسية المصرية»؛ إذ يهدف هذا التعديل إلى حذف فئة الأجانب ذوي الإقامة بوديعة، والاقتصار على ثلاث فئات منصوص عليها في المادة (17) من القانون القائم:

  • أجانب ذوو إقامة خاصة.
  • أجانب ذوو إقامة عادية.
  • أجانب ذوو إقامة مؤقتة.

هذا القانون يعطي لرئيس مجلس الوزراء سلطة منح الجنسية لكل أجنبي «اشترى عقارًا أو أنشأ مشروعًا استثماريًّا، وفقـًا لأحكام قانون الاستثمار، أو أودع مبلغًا ماليًّا بالعملة الأجنبية، وذلك على النحو الذي تنظمة لائحة ستصدر عن رئيس مجلس الوزراء، كما يحدد مشروع القانون شروطًا إضافية للحصول على الجنسية المصرية؛ منها خضوع المتقدم للفحص من قبل وحدة سيشكلها مجلس الوزراء، ومن المقرر أن تضم هذه الوحدة ممثلين عن وزارات الخارجية والداخلية، والاستثمار والتعاون الدولي، والجهات الأمنية المعنية، وستتولى الوحدة البت في طلبات التجنس المقدمة».

ووفقًا لمشروع القانون؛ فإن أي أجنبي يرغب في الحصول على الجنسية المصرية يتعين عليه تسديد مبلغ 10 آلاف دولار أو ما يعادلها بالجنيه المصري كرسوم لتقديم الطلب، ومن المقرر أن يفحص هذا الطلب خلال ثلاثة أشهر بحد أقصى، وفي حالة الموافقة المبدئية على الطلب يمنح رئيس مجلس الوزراء طالب التجنيس الإقامة المؤقتة لمدة ستة أشهر لاستكمال الإجراءات والبيانات المطلوبة؛ وفي حالة الحصول على الجنسية يخضع المجنس لضوابط قانون الجنسية، وخاصة المادة 15 التي تحدد حالات سحب الجنسية، والمادة 9 التي تنص على أن «المتجنس لا يمارس حقوقه السياسية سواء بالمشاركة في الانتخابات أو غيرها، إلا بعد خمس سنوات، ولا يرشح نفسه في الوظائف النيابية أو لعضوية النقابات أو خلافه قبل 10 سنوات».

من هنا جاءت شائعة بيع الجنسية المصرية بمبلغ 10 آلاف دولار للسوريين والعرب بصفة خاصة، والأجانب بصفة عامة، وهو أمر عار من الصحة؛ إذ إنها -كما ينص القانون- رسوم طلب الحصول على الجنسية المصرية، هذا الطلب الذي قد يواجه بالقبول أو الرفض وفقًا للشروط التي ينص عليها القانون.

ولكن بنظرة متأنية في جوهر الأمر سنجد أن ما حدث نتاج لتخوف بعض القطاعات من فتح باب بيع الجنسية المصرية؛ بحجة إنعاش خزانة الدولة وتزويد الاقتصاد المصري بموارد دخل جديدة.

لم تكن فكرة بيع الجنسيات حديثة العهد على المجتمع الدولي؛ إذ يوجد العديد من الدول التي تطرح جنسيتها للمقيمين على أراضيها؛ وفقًا لشروط معينة تختلف من دولة لأخرى بما يتناسب مع قوتها، وأمنها، وقوانينها الداخلية، وظروفها السياسية، وعدد سكانها – فعلى سبيل المثال لا الحصر- تعد الجنسية النمساوية من أغلى الجنسيات والأكثر تكلفة في العالم، إذ تطلب استثمارًا على أراضيها بمبلغ 23.7 مليون دولار، أما في جزيرة قبرص تمنح الجنسية مقابل 2.3 مليون دولار، وفي حالات أخرى تمنح جمهورية فانواتو الواقعة جنوب المحيط الهادى جنسيتها لكل متبرع لخزينة الدولة بمبلغ 229 ألف دولار فقط، بينما لا يتجاوز سعر الجنسية في جزيرة سان لوسيا 100 ألف دولار.

لكن هل مصر بموقعها الاستراتيجي وظروفها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية تسمح بأن تطرح جنسيتها للبيع والشراء، هل يمكن التعامل مع جنسية جمهورية مصر العربية كسلعة شأنها شأن غيرها من الدول الأخرى؟

مصر التي ذُكرت في القرآن الكريم لا يمكن مقارنتها بغيرها من الدول ،فبها خزائن الأرض، هى مهد الديانات، على أرضها تجلى – الله عز وجل- وكلم نبيه موسى، احتضنت على أرضها رحلة العائلة المقدسة، أحتوت كل الديانات، لم تعرف التمييز العنصري، احتوت كل الطوائف.

بناءً على خصوصية مصر وتفردها بين أقطار الأرض يمكن تحديد بعض المخاطر التي قد تترتب على فتح باب التعامل مع الجنسية المصرية كسلعة تباع وتشترى:-

  1. خطورة هذا الأمر على الأمن القومي المصري؛ فطرح الجنسية المصرية للبيع وتسعيرها – أيًّا كانت شروط منح الجنسية– في ظل اشتعال المنطقة العربية من الشمال، والشرق، والغرب، والجنوب سيفتح الباب أمام بعض العناصر الإرهابية أو المشبهوين الممولين من عناصر خفية من أجل الحصول على الجنسية المصرية لتحقيق بعض الأغراض والمطامع السياسية على المدى البعيد، من أجل الوصول إلى سدة الحكم، مثلما حدث في العديد من المجتمعات التى وصل فيها اليمين المتطرف للحكم، وغيرها من البلدان التي وقعت فريسة للخبث والدهاء السياسي الممول من جهات خارجية.
  2. هل عدد سكان مصر يتحمل المزيد من الأعداد التي ستحصل على الجنسية المصرية، دومًا تلقي علينا السلطة السياسية اللوم من زياة التعداد السكاني، كيف ستتمكن الدولة من الوفاء بالتزاماتها تجاه المواليد الجدد الذين سيتم تجنيسهم، هل نزيد الطين بلة بالتحميل على مواردنا المحدودة بالفعل وفقًا لإقرار الدولة في أكثر من موضع، وأيًّا كان حجم الاستثمار المقدم من طالب التجنيس، هل هو ما سيحل مشاكلنا الاقتصادية؟!
  3. هل الجنسية المصرية تباع بأبخس الأثمان (المالية) وبأغلى الأشياء هو تملك أراض مصرية ارتوت بدماء المصريين؛ وكأننا نعيد نهج الكارثة الفلسطينية، والتي بدأت بالتسلسل نفسه، وإن كانت حجة المؤيدين هو إضافة موارد لخزانة الدولة فهذا هراء؛ إذ إن قانون الاستثمار يضمن كل سبل الاستمرارية للمستثمر ويوفر له كل الامتيازات التي تحفزه أن يستثمر في مصر دون الحاجة إلى الحصول على الجنسية، وكم من مستثمرين في أوروبا وأمريكا لا يحملون إلا جنسياتهم الأصلية، ولكنهم يتمتعون بمناخ استثماري يحفزهم على البقاء والاستمرار دون التجنس.
  4. ضعف انتماء المقيمين الذين سيحصلون على الجنسية المصرية، سيظل بداخلهم إحساس أنهم ضيوف، وسيتجلى ذلك واضحًا في أوقات المحن – إذا تعرضت مصر لا قدر الله لأي أزمة– سيفرون أيضًا خارج أراضيها وسيظل شعبها هو الشغوف الوحيد والحريص على منفعة أرض مصر واستقرارها وسلامتها، وإن بقي أحد منهم ستكون قلة قليلة؛ لأن الانتماء لا يباع ولا يشترى.
  5. نعلم علم اليقين مدى حرص القيادة المصرية على سلامة واستقرار أرض مصر، لكن هذه التعديلات والقوانين ستمهد الطريق بشكل أو بآخر لتطبيق ما يعرف «بصفقة القرن» على أرض الواقع، والتي يروج لها الرئيس ترامب، والتي تقوم في جزء منها على مبدأ إيجاد وطن بديل للفلسطنيين – مع احترامى الشديد لأشقائنا الفلسطينيين- ستصبح مصر حينها قابلة للاختراق الأمنى؛ فمن الممكن التلاعب بفكرة تعدد الجنسيات، ونقل بؤرة القضية الفلسطينة داخل مصر.
  6. ستظل الأيدى المصرية العاملة تلعب دور «الشغيلة»؛ إذ إن الأجنبي الذي اشترى الجنسية المصرية بأمواله أصبح يعامل معاملة مميزة لما يملكه من عقارات أو استثمارات مصرية، مما قد يساعد على تزايد الفجوة الطبقية داخل المجتمع المصري، بمعنى آخر ستكون هناك مخاطر نفسية سيكولوجية، والوضع لا يتحمل المزيد من الأعباء النفسية على المواطن المصري، خاصة مع تزايد أعداد المتعلمين الذين يشعرون بالتهميش وعدم تحقيق أي من أحلامهم، والاصطدام بواقع آليم، والذين يعدون قنبلة موقوته وأرضًا خصبة لاستقطاب بعض الجماعات الإرهابية المتطرفة.

باختصار نحن لسنا ضد وجود أشقائنا العرب على أرض مصر، ولكن بوصفهم ضيوفًا لهم حق الاحترام والود، وتوفير الأمن والأمان لهم، وتوفير المناخ الملائم لمن يريد منهم الاستثمار فيها؛ ولكن ستظل مصر ملكًا لأهلها الشعب المصري الذي تحمل كل معاناة مصر على مر تاريخها دون أن يمل أو يكل أو يفر من المسئولية، والذي دافع عن كل شبر من أراضيها وما زال يضحي ويصبر ويتحمل حتى تعبر مصر إلى بر الأمان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد