كنت مستلقيًا على سريري أنتظر مكالمة صديقٍ لي بعد أن دفعتُ بسمّاعات هاتفي الجوّال عميقًا داخل أذنيّ، أغوص في أعماق الشبكة العنكبوتية وأستمع إلى إحدى أغاني «الهارد روك» الصّاخبة هربًا من صراخ والديّ اللذين كانا يتشاجران كعادتهما.

في تلك الليلة، أثار رواج أحد مقاطع الفيديو على «الفيسبوك» فضولي، الشيء الّذي دفعني إلى مشاهدته. مقطع لأحد العاملين بشركة «إل جي» الكوريّة يدعى «كيم» وهو يجيب عن سؤال صحفيّ قناة «الجزيرة» عمّا يحول دون قيام شركات عالميّة على الأراضي العربية وعن سبب تردّي الأوضاع الاقتصادية فيها رغم كثرة مواردها.

اعتبر السيّد «كيم» تخوين العرب بعضهم البعض أحد أبرز أسباب ما يكابدونه من فقر، وواصل قائلًا إنّ تقوقعهم وعدم انفتاحهم على المواهب العالمية يمنعهم من التطوّر معتبرًا إيّاهم عاطفيّين وغير منظّمين.

كنت أستمع إلى كلماته وأتفحّص تعابير وجهه باهتمام ودقّة كبيرين، كانت السّاعة حينها تشير إلى الحادية عشرة ليلًا بتوقيت تونس، السابعة صباحًا بتوقيت كوريا أين كان السّيد «كيم» واقفًا أمام المرآة وقد بدا الخوف على وجهه، يمعن النّظر فيها بحثًا عن انعكاس صورته داخلها دون جدوى، أغلق عينيه برهة وحين فتحها قُلْتُ مبتسمًا «مرحبًا سيّد كيم».

لم ينبس ببنت شفة، كان ينظر إليّ في ذهول ويتصبّب عرقًا، هلع إلى النّظر خلف المرآة فلم يجد شيئًا.

لا تستغربوا ردّة فعله، فماذا لو نظَرْتَ أنتَ في مرآتِكَ فوجدتني أحدّق بك بعينين بيضاوين؟

نظر «كيم» في المرآة مرّة أخرى فوجدني في انتظاره، مددت يدي وقلت «لا تخف، أنت ضيفي اليوم».

لم يكن حينها قادرًا على التّفكير، ولا قادرًا على الرّفض أو الموافقة، مدّ يده ودخل عالمي المظلم، عالم لا حياة فيه، أبنيته مهدّمة ومهجورة، تسكنها جثث بوجوه عليها غبرة ترهقها قترة.

كنت قادرًا على سماع دقّات قلبه المتضاربة، كان يحاول تجنّب النّظر في وجوه المارّة إلى أن أخبرته بأنّنا كالأشباح، بأنّ لا أحد هنا قادِرٌ على رؤيتنا أو لمسنا أو حتّى الانتباه إلى وجودنا.

كنّا نسير باتجاه كومة كبيرة من الدّخان تنبعثُ منها أصوات الطائرات والمتفجّرات، كلّما اقتربنا منها ازدادت صرخات الرّضّع والنّسوة وضوحًا.

«ما بالك ترتجف سيّد كيم؟ كما قلت لك، نحن أشباح في هذا العالم، لن يصيبك أيّ مكروه». وقبل أن أنهي كلماتي وقفتُ فوق سطح أحد المباني أمام قنّاصٍ كان بصدد اصطيادِ خمسةِ أطفالٍ رفقة أمّهم كانوا يحاولون الهروب خارج كومة الدّخان. صوّب خمس رصاصات اخترقت جسدي دون أن يمسّني الضّرّ، لتستقرّ داخل أحشاء الأطفال الذين كانوا يتساقطون الواحد تلو الآخر أمام أنظارِ والدتهم وأنظار السيّد كيم.

«أنا بخير، هل تأكّدت الآن بأنّي وإيّاك أشباح في هذا العالم؟ ما لك لا تجيب؟ فهمت، لا تزال تحت تأثير ما فعله القناص. مرحبًا بك في سوريا سيّد كيم».

وقفنا على أعتاب أعمدة الدّخان وقبل أن نقفز داخلها سمعنا صوت رصاصة سادسة فقلتُ «إنها رصاصة الرّحمة، لقد ألحق القنّاص الأمّ بأطفالها».

قفزنا، لنجد أنفسنا وسط أحد أسواق حلب، كانت الطائرات ترمي بالبراميل المتفجّرة بلا هوادة، النّاس يركضون في كلّ الاتّجاهات. «لا تقلق سيدّ كيم، إنها ليست نهاية العالم، ففي سوريا يفرّ المرء كلّ يوم من أخيه وصاحبته وبنيه بفعل غاراتٍ دوليّة، في سوريا نرى كلّ يوم جثث أطفال تتكسّر تحت أنقاض المنازل وحتّى من ينجو منهم تراه بلا روح، شاحب الوجه تمامًا كذلك الطفل على يمينك، بالمناسبة اسمه عمران…».

واصلنا السّير، كان كيم يحاول قدر الإمكان الابتعاد عن الجثث التي تلفظها أمواج البحر بين الفينة والأخرى، قلتُ «هيّا كيم، تعال وألق التّحية على أصدقائي».

كنت أقف إلى جانب ثلاثة شبّان يجلسون عند شجرة كبيرة، بادروه بالتّحيّة ودعوه إلى الأكل، نظر «كيم» إلى الطبق فلم يجد فيه سوى بضع ورقات أشجار تسبح وسط قليل من الماء.

«أعلم أنّك مستغرب، فقد سبق بأن أخبرتك بأنّ لا أحد هنا قادر على رؤيتنا، لكن الشبّان الثلاثة أشباح مثلنا، ماتوا جوعًا قبل أشهر إلّا أنّ أرواحهم أبت أن تغادر مدينتهم مضايا».

في تلك اللحظة تغيّرت تعابير الشّبّان الذين فرّوا. نظرنا خلفنا فرأينا وحشًا مخيفًا محاطًا بشياطين تتّقد أعينهم نارًا يقفون عند نهر من الدّماء ويتوضّؤون، قلتُ «لا تقلق سيّد كيم، ذلك بشّار ومفتيه وزبانيته يستعدّون لتأدية صلاة العيد».

فجأة، سمعنا صوتًا ملائكيًّا لإحدى صغيرات سوريا كانت تحاول سرقة بعض اللّحظات لتغنّي. فَرِحَ «كيم»، فمنذ أن دخل إلى عالمي لم يجد فيه ما يشرح الصدور، ركض نحو الطّفلة إلا أنّ صاروخًا روسيًّا سبقه إلى منزلها فحوّل البهجة التي ملأت صوتها إلى حزن ورعب جعلا صديقنا الكوريّ يجثم على ركبتيه بعد أن غلبه الإحباط حتّى إنّه همّ بفقع عينيه.

حينها توجّهت نحوه، جلست أمامه، نظرت إليه بعينيّ البيضاوين وقلت «هل عرفت سبب بياض عينيّ الآن؟ خرّت قواك واستسلمت سريعًا لمجرّد رؤية غيض من فيض مما يحدث داخل سوريا فقط سيّد «كيم»، فما بالك بنا نحن من نرى ما يحدث في سوريا والعراق وليبيا وتونس ومصر وفلسطين واليمن معًا بل ونعيشه؟ هل تتنظر ممّن يعيش وسط هذا العالم أن ينفتح على الآخر؟ هل تعتقد بأنّ المواطن الذي كبّلوه وعذّبوه وأهانوه سنوات طويلة قادر على أن يفكّر أصلًا في التّطوّر والتّقدّم؟

سيّد كيم، الخطأ ليس خطأنا، فأصحاب القرار هنا لا يفكّرون في إنشاء شركات عملاقة كتلك التي تعمل بها بقدر ما يفكّرون في بناء سجون جديدة. مهلًا، لم آخذك بعد في جولة داخل سجون سوريا! تعال معي».

نظر إليّ كيم، حرّك رأسه يمينًا وشمالًا مشيرًا بالرّفض وغرس إصبعه داخل عينه اليمنى. وفجأة استيقظت على صوت سقوط هاتفي على الأرض.

فتحت عينيّ لأجد نفسي في غرفتي، لقد كان كابوسًا، غلبني النّعاس حين كنت أشاهد مقطع فيديو السّيّد «كيم» وهو يجيب عن سؤال صحفيّ قناة الجزيرة حتّى إنّ صديقي اتّصل بي عشرات المرّات.

نهضتُ من سريري، غيّرتُ ملابسي ورميت بالقديمة أرضًا وأنا أتمتم «قال غير منظّمين قال!». نظرتُ في المرآة لأعدّل تسريحة شعري فرأيت شخصًا بعينين بيضاوين! نزلت مسرعًا إلى غرفة الجلوس لأكتشف أنّ والديّ ليسا متخاصمين. أصوات من كانت تلك التي سمعتها إذًا؟ هل جُنِنْتُ أم ماذا؟ ولما لم يخافا من لون عينيّ؟ الحمد الله، لست مجنونًا، لا بدّ أنّ ما يُخيَّلُ إليّ سببه الإرهاق. فتحتُ باب المنزل لأغادر فوجدت أختي قادمة رفقة ابنتها الصغيرة التي ما أن رأتني حتّى زلزلت المنزل بكاءً؛ كأنّها رأت شخصًا أبيض العينين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد