تعجز الكلمات والعبارات لوصف هول الفاجعة والكارثة التي حلت على شعب تونس يوم الأحد 01 ديسمبر (كانون الأول) 2019 إثر إنقلاب حافلة سياحية تضم خيرة شباب تونس ومستقبلها، أسفرت عن وفاة 22 ضحية في الإبان وأربعة أشخاص في طريق إسعافهم ونقلهم للمشفى بالعاصمة، إضافة إلى ثلاث وفيات بالمشفى رغم التدخلات الجراحية، ليصبح عدد وفيات الفاجعة 29 فقيدًا قابلة للتصاعد، بحكم وجود عدد كببر من الجرحى في العنايات المركزة، نسأل الله لهم الصحة والعافية، ونترحم على موتانا فلذات أكبادنا، الذين كانوا على متن رحلة ترفهية في ربوع تونس الخضراء، التي اكتسحها السواد، ولتتحول الفرحة والبهجة إلى لوعة وحزن وصدمة، تأثرت لها تونس كاملة.

تتوالى الصدمات والكوارث حزنًا على شبابنا؛ ففي تونس عندنا يقتل الشباب في أي لحضة وفي كل مكان، عندما تذهب إلى مشاهدة وتشجيع فريقك المفضل تتوفى، إثر المقابلة في حادثة غرق في مجرى واد، إثر مطاردة من عناصر أمنية لم تكن لديهم شفقة أو رحمة تركوه يغرق في الوادي، رغم توسلات الفقيد عمر لهم بعدم إتقانه السباحة، فقالوا له «تعلم عوم»، ما زالت لوعة فراق عمر في 2018 جاثمة على قلوبنا وقلوب أحباء ومشجعي النادي الأفريقي، وما تزال القضية وأطوارها في غياهب النسيان ما بين أروقة المحاكم، ليقيم الدليل علينا أننا في تونس بالرغم من أننا نتشدق بقيامنا بثورة عظيمة، فما زلنا نعاني من فساد المسؤولين وقمعهم، وغياب العدالة وإعطاء الناس حقوقهم.

في بدايات سنة 2019 تحل علينا كارثة أخرى عصفت بوجداننا وضميرنا بوفاة 12 رضيعًا من جراء مخلفات التلوث والفوضى وعدم الصيانة بأحد المستشفيات. حادثة الوفاة أماطت اللثام عن الكارثة الصحية التي تعيشها تونس، والاستهتار الكبير، سواء على مستوى التجهيزات والبنية التحتية، وانتشار ظاهرة فقدان الأدوية، ليزيد اللوعة والحسرة والحزن كيفية تسليم جثث الرضع لذويهم في صناديق كرتونية، لتقيم الدليل على اللامبالاة بالحادثة الكارثية، وغياب الضمير في فقدان أعز ما نملك، مستقبل تونس، ما ذنب الرضع ليجري إهمالهم والتسبب في وفاتهم في المهد، الذنب الوحيد أنهم ولدوا في تونس في ظل دولة تزعم أنها رائدة في مجال الصحة والإصلاح والتطور على مستوى البحوث والاكتشافات.

إثر هذه الحادثة تطل علينا مصيبة أخرى بانقلاب شاحنة على متنها العديد من العاملات الفلاحات في إحدى قرى أرياف تونس، جلهن توفين على عين المكان، ومثل العادة تُشكل لجنة للتمعن في أسباب الحادثة حتى أصبحنا نتندر بمصائبنا إننا في تونس عندما تريد أن تقبر ملفًا أو حادثة أعلن فتح لجان للتقصي والتحري عن الحوادث.

في تونس عندما تريد أن تذهب إلى الدراسة يمكنك أن تتوفى في قارعة الطريق أو يجذبك فيضان واد، مثلما حدث للتلميذة مهى القضقاضي عندما جرفها واد على مقربة من منزلها، أو الأصح كوخهم الصغير منذ شهر، لتميط اللثام عن كارثة حقيقية تعيشها البلاد خصوصًا غربها، فلا مستوى معيشي يحفظ كرامة المواطنين، ولا طرقات صالحة للعبور، ولا حتى منازل تقي العباد من أمطار الشتاء وبردها أو من حرارة الصيف ولهيبها.

في تونس عندما تريد الاحتفال بعيد مولدك في إحدى الملاهي عادي جدًّا أن تتوفى في قمة فرحتك وزهوك بعنف مسلط من قبل حراس الملهى، مثلما حدث للشاب آدم منذ أسبوعين، ليصبح يوم مولدك هو نفسه يوم وفاتك.

أصبحنا كشباب في تونس نخشى الذهاب إلى المدرسة للتعلم، نخشى دخول الملاعب الرياضية، نخشى السهر، نخشى القيام برحلة ترفيهية، أصبحنا نخشى من كل شيء، ليس خوفًا من الموت، بل الخوف من موت بشع، سببه تهالك وفساد هذه البلاد التي قضت على شباب تونس ومستقبله، الذي جعلوا حياته جحيمًا، ومستقبله غامضًا، وحتى وفاته مجرد أرقام توشح عناوين الأخبار، ويمر عليها مرور الكرام، في ظل التنازع السياسي القائم حاليًا من أجل المناصب في الحكومة الجديدة.

اليوم شعب تونس يشعر بالغبن واللوعة الشديدة على ما آلت إليه الحياة، فلا العيش الكريم متوفر، ولا حقوق المواطن محترمة، ولا ولا ولا.

إننا على حافة الانهيار في بلد لم تنهض بعد من صدمتها، بلد من العبقرية إلى الضمور، من المجد إلى الانحطاط، من القوة إلى الابتذال، من القمة إلى الحضيض، في بلد لم تتعلم الحب لا يمكنها أبدًا أن تصنع الأمل، أن تصنع الرجال، أن تصنع الثورات، أن تصنع الثروات، أن تصنع القادة والعظماء.

تحولنا من جمهورية الموز إلى جمهورية الموت، رحم الله العباد في بلاد الأموات، تونس مقبرة الشباب والشياب.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد