من الثوابت التي لا تحتمل التأويل والاجتهاد هو الإقرار بعظمة الدستور الإسلامي لما فيه من مفاهيم إنسانية وتشريع لقوانين العدالة والسلام، ورغم صراحة المعاني ووضوح البيان فيه، إلا أن محاولات استنباط أحكام منه تبيح قيادة الجمهور كقطيع أغنام تُرهنُ أرواحه كوقفٍ حتى موعد الذبح، كانت هي البصمة السائدة لطبيعة نظام الحكم في إيران منذ نحو أربعين عامًا، واستمر العمل هناك وفق مبدأ «الدين لله والوطن وكل ما فيه مباحٌ للولي الفقيه».

عقود مضت كانت سياسات طهران سببًا رئيسيًا لاندلاع حروب وخلق أزمات عصفت بأمن المنطقة واستقرارها، وهو ما أضحى حجة لا لبس فيها وجوب الدفع ليكون نظام الحكم في إيران لا دينيًا ويُحيدُ أي دور للملالي في ضبط إيقاع أيديولوجية الدولة فيها، حيث مارس هؤلاء طرقًا غاية في الدهاء لتحشيد الشارع والإيهام بأن الخلاص سيكون عبر الإصغاء والانصياع لأوامر الولي الفقيه دون مجادلة، ولم يكن الأمر آنذاك يستلزم بذل جهود استثنائية لتنفيذ انقلاب سريع على حكم الشاه عام 1979، ففضلًا عن احتقان الشارع بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية حينها، فقد سارع المعممون لاستثارة المشاعر الدينية لغالبية كانت ترى أن دورها القيادي أنصارًا لأتباع المذهب الشيعي في العالم ذي الموروث الثوري قد اختزل وصهر بالتزامن مع التجاذبات والتدافعات التي كانت على أوجها في ظل صراع المعسكرين الشرقي والغربي، وهو ما استدعي بـ«محمد رضا شاه بهلوي» ملك إيران خلال حقبة حكمه لتبني المنهج التغريبي الانفتاحي والذي أودى به لسقوطه.

وفي ازدواجية مثيرة للسخرية، ورغم أن قادة الثورة حملوا لواء الدين وبشروا بتغيير عابر للقوميات، فقد عمل المحافظون الجدد وبالتزامن مع ما سبق وتحت قيادة الخميني مؤسس الجمهورية الإيرانية الإسلامية بعد إقرار دستورها في ديسمبر (كانون الأول) عام 1979 على إحياء النزعة العنصرية الكارهة لكل ما هو غير فارسي وتحديدًا إزاء العرب، في محاولة لكسب مزيدٍ من الزخم الشعبي المؤيد لثورتهم عبر مغازلة مفاهيم باطنية، فها هو المفكر الإيراني «دوراج» يجد في المذهب الشيعي ضرورة لتشكيل مفهوم «الإرينة» أي النزعة القومية الإيرانية، أما من يقرأ كتاب «صورة العرب في الأدب الفارسي الحديث» للباحثة «جويا بلندل سعد» فسيلمس فيه وبدقة وجهة نظر الفرس القدامى والمحدثين في جيرانهم العرب، حيث يحمل المفكرون الإيرانيون جانبًا من تخلف بلدهم على الإسلام، فإيران في نظرهم «ساسانية وإخمينية» دمر حضارتها من يصفونهم بالـ«بدو المتوحش» وتتجلى تلك الرؤية فيما ذهب إليه «كرماني» وهو أحد هؤلاء المفكرين حين عد الإسلام بالدين الغريب الذي فرضته على «الأمة الآرية النبيلة» أمة سامية، عدهم بحفنة من آكلي السحالي الحفاة العراة البدو الذين يقطنون الصحراء، فيما يقول كاتب إيراني آخر اسمه «ما شاء الله أجوداني» إن العدو الحقيقي للثقافة الإيرانية وسبب مشكلات إيران كلها هو الإسلام والعرب.

ومما تقدم وعبر فهم حقيقة التلاقح الفكري بين السلطة والمجتمع، وبعيدًا عن محاولة تقديم المبررات والذرائع لسلخ الشعب الإيراني عن دينه، إلا أنها دعوة لوجوب تكبيل الأنظمة الحاكمة في طهران بتعهدات والتزامات دولية صارمة ووضعها تحت وصاية أممية ولكن ليست مهينة كما حدث مع ألمانيا بُعيد الحرب العالمية الأولى، والتي كانت سببًا لظهور حكم نازي متطرف أو تداعيات ما تلتها من شروط عام 1945، وعلى العكس من ذلك فأمام العالم اليوم فرصة ذهبية لكسب ود الشارع الإيراني من خلال الغدق عليه بمساعدات تنتشله من فاقة الفقر التي تجاوزت نسبتها 30 بالمائة، فتعرية النظام الإيراني من قاعدته الشعبية التي لطالما تبجح وتوعد بها من وصفهم بأعداء الثورة هي الآن متاحة أفضل من أي وقت مضى، وسواء أنجحت التظاهرات الشعبية في إيران بتغيير الواقع من الداخل أم لم تنجح فإن مرحلة جديدة قد بدأت بعد أن كسر الغاضبون عقدة الخوف والرهبة حين أحرق المحتجون صور الخميني والمرشد الأعلى علي خامنئي وهتفوا ضد الديكتاتور في إشارة إلى الأخير الذي تبين أن حجم ثروته تبلغ 95 مليار دولار أي 30 مرة عن ثروة الشاه فيما تعاني البلاد مما وصف بالكارثة في ظل بطالة وتضخم تسبب بأسوأ انكماش اقتصادي تمر به البلاد بحسب النائبة «هاجر تشناراني» في البرلمان الإيراني، وكانت مجلة «فوربس» قد نشرت من جهتها تقريرًا تحت عنوان «الملالي المليونيرات»، كشفت فيه حقيقة الشهوة للقوة والمال لدى رجال الدين بعد بلوغهم السلطة في إيران رغم رفع شعار الزهد ومحاولة ترسيخ صورة الحياة البسيطة عند المواطنين التابعين لهم وفي نسخة مطابقة لما كان يجري في فرنسا قبل ثورتها عام 1789 للميلاد، حتى تمكن الشعب هناك من تثبيت أركان حكم جمهوري بعد عزل سلطة الكنيسة عن أمور الدولة.

وبأي شكل من الأشكال فمن المجحف تحميل الشعب الإيراني وزر سياسات أنظمته الحاكمة وتدخلاته بشؤون بلدان عدة كالعراق وسوريا ولبنان واليمن ضمن إطار ما بات يطلق عليه بالبدر الشيعي، فالإيرانيون دفعوا ثمنًا باهظًا أيضًا تمثل بعزلة دولية وخسارة آلاف القتلى ممن تم حشدهم في معارك ضمن مفهوم المقاومة والممانعة خارج نطاق حدود الدولة، فيما أهدرت أكثر من 200 مليار دولار بحسب واشنطن بوست كدفعات دعم للمليشيات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني في المنطقة كمليشيا الحشد وحزب الله والحوثيين، وهي أموال كان من الأولى إنفاقها لتأمين فرص عمل لعاطلين عن العمل يزداد عددهم 20 ألفًا في كل يوم بحسب تصريح لـ«علي ربيعي» وزير العمل الإيراني الحالي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد