تميّز الأفراد في الجاهلية بالكرم، قال امرؤ القيس الكنديّ في إنفاق ماله من أجل الحصول على المجد:

ولو أنَّ ما أسعَى لأدَنى معيشةٍ
كفاني ولم أطلبْ قليلٌ من المالِ
ولكنَّما أسعَى لمجدٍ مؤثَّلٍ
وقد يدركُ المجدَ المؤثّلَ أمثالي

وقال السّموأل الحارثيّ يصف قومه بالكرم ومفتخرًا بهم:

فَنَحنُ كَماءِ المُزنِ ما في نِصابِنا

كَهامٌ وَلا فينا يُعَدُّ بَخيلُ

وكان الأهل يوصون أبناءهم بالكرم، ذكرت حبيبة بنت عبد العُزّى وصايا وتعاليم أبيها وجدّها بإكرام الضّيف، وذكرت أيضًا احترامها والتزامها بهذه التّعاليم، فقالت:

إِنّي وربِّ الرّاقصاتِ إلى مِنًى
بجنُوبِ مكّةَ هَدْيُهُنّ مقلّدُ
أُولي على هُلْكِ الطّعامِ أليّةً
أَبدًا ولكنّي أُبينُ وأنشُدُ
وصّى بها جدّي وعلّمني أَبي
نَفْضَ الوعاءِ وكلَّ زادٍ ينفدُ
فَاحْفَظْ حمِيتَكَ لا أبا لك واحترسْ
لا تخرقَنْهُ فأرة أو جُدْجُدُ

وذكر الأعشى ميمون القيسيّ وصيّة أبيه له بإكرام الضّيف، فقال:

الضّيْفُ أُوصِيكُمُ بالضّيْفِ إنّ لَهُ

حَقًّا عليَّ فَأُعْطِيهِ وَأعْتَرِفُ

والكرم يستوجب المدح، قال زهير بن أبي سلمى المزنيّ يمدح بني مرّة قوم هرم بن سنان والحارث بن عوف واصفًا إيّاهم بالكرم:

عَلَى مُكْثِريهِمْ رزْقُ مَنْ يَعْتَرِيهِم

وعندَ المُقلَينَ السَّمَاحَةُ والْبَذْلُ

وقال الأعشى ميمون القيسيّ يمدح المُحلّق بن خنثم بالكرم:

ترَى الجُودَ يَجرِي ظاهرًا فوْقَ وَجههِ
كمَا زَانَ مَتنَ الهِندُوَانيّ رَوْنَقُ
يداكَ يدا صدقٍ فكفٌّ مبيدةٌ

وأخرى إذا ما ضنّ بالمالِ تنفقُ

والبخل مبغوض، ومدعاة للهجاء، قال طرفة بن العبد البكريّ في هجاء البخيل:

أرى قَبرَ نَحّامٍ بَخيلٍ بمالِهِ
كَقَبرِ غَويٍّ في البَطالَةِ مُفسِدِ
تَرى جُثْوَتَينِ من تُرَابٍ عَلَيهِما

صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفيحٍ مُنَضَّدِ

كذلك فإنّ الكرم إحدى الصّفات الأساسيّة التي تُذكر في المراثي، قال مالك بن عُويمر المتنخِّل يرثي أباه، ويذكر مناقبه الّتي منها الكرم:

أبُو مالكٍ قاصرٌ فقرَهُ

على نفسِهِ ومُشِيعٌ غِناهْ

ولكن لماذا كان عرب الجاهلية كرماء؟ هل هي الأسباب التي ذكرها المؤرخون عن جدب الصحراء؟ وسعي الأفراد لمساعدة بعضهم؟ لقد ناقشت هذا بالتفصيل في فصلي «الذكورة» و«التوجه طويل المدى»، في كتاب «ثقافة العرب في الجاهلية»، ووصلت إلى نتيجة مفادها أن الكرم لم يخرج عن سببين؛ التّفاخر و«حفظ الوجه».

ظهر جليًّا حرص عمرو بن كلثوم التّغلبيّ على «حفظ وجهه» والظّهور بمظهر جيد أمام ضيوفه بني الطمّاح ودعميّ، وهذا كان سبب إكرامه لهم، قال عمرو:

أَلَا أَبْلِغْ بَنِي الطَّمَّاحِ عَنَّا
وَدُعْمِيًّا فَكَيْفَ وَجَدْتُمُونَا
نَزَلْتُمْ مَنْزِلَ الأضْيَافِ مِنَّا
فَعَجَّلْنَا القَرَى أَنْ تَشْتُمُونَا
قَرَيْنَاكُمْ فَعَجَّلْنَا قِرَاكُمْ

قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْدَاةً طَحُونَا

وعدم الإنفاق أيضًا مدعاة للهجاء، قام عامرٌ بن مالك بأسر مَعْبَدَ بن زُرارة التّميميّ، فلم يفدِ لقيط بن زُرارة أخاه بالمال ولم يحرّره من أسره، فهجا لقيطَ على فعله عدّةُ شعراء، قال شُرَيْح بن الأحوص الكلابيّ العامريّ:

لَقِيطُ وأنت امرؤٌ ماجدٌ
ولكنّ حِلْمَكَ لا يَهْتدِي
ولَمّا أَمِنْتَ وساغ الشِّرا
بُ واحتلّ بيتُك في ثَهْمَدِ
رفعتَ برِجْلَيْكَ فوق الفِرَا
شِ تُهْدِي القصائدَ في مَعْبَدِ
وأسلمتَه عند جِدِّ القِتَالِ

وتبخَل بالمالِ أن تَفْتَدِي

والكرم يستخدم لهذه الأغراض المذكورة فقط، وليس لشيء آخر، ومن الخطأ القول أنّ العرب في الجاهليّة كانوا كرماءَ لأجل الكرم ذاته -لا ينفي هذا بالطّبع وجود من لا تشمله هذه القاعدة، ولكنّهم استثناء طبيعي في أيّ مجتمع- بل قد مارس الأهل ضغطًا على أصحاب الكرم الزّائد الّذي خرج عن أهدافه -المفاخرة، والتمدّح، واتّباع التّقاليد، و«حفظ الوجه»- وقد أتى لوم الأقارب نتيجةً لمعرفتهم أنّ للكرم أهدافًا لا يخرج عنها؛ اشتكى حاتم الطّائيّ من لوم زوجته له على كرمه الزّائد، وردّ عليها، وفي ردّه إشارة إلى حرصه على «حفظ الوجه» فالمال يذهب، ويبقى كلام النّاس عن الكريم، قال حاتم:

أمَاوِيَّ إنَّ المالَ غادٍ ورَائِحِ
ويَبْقى مِنَ المال الأحاديثُ والذِّكرُ
أمَاويَّ إنّي لا أقولُ لسائلٍ
إذا جاءَ يَوْمًا حلَّ في مالِنا النَّذْرُ
أمَاوِيَّ إمَّا مَانِعٌ فمبيِّن
وإمّا عطاءٌ لا يُنهْنِهُهُ الزَّجْرُ
أمَاوِيَّ ما يُغْنِي الثَّرَاءُ عَن الفَتَى

إذا حشرجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِهَا الصَّدْرُ

ولم تكن زوجة حاتم هي لائمته الوحيدة، بل سبقها جدُّه سعد إلى لومه، وجدُّه لامه على كرمه بعد أن ذبح قطعان إبله لضيوفه، فتركه جدّه ورحل عنه، فقال حاتم ـوالتّفاخر بالكرم مقرونًا بالشّجاعة واضح في لهجته:

ولي نيقةٌ في المجدِ والبذلِ لم تكنْ
تأنّقَها فيما مضى أحدٌ قبلي
وأجعلُ ماليَ دونَ عرضيَ جُنَّةً
لنِفسيَ فاستغني بما كانَ مِنْ فَضلي
ولي معَ بذلِ المالِ والبأسِ صَوْلةٌ
إذا الحربُ أبدتْ عن نواجِذِها العُصّلِ
وما ضَرَّني أَنْ سارَ سَعْدٌ بِأهْلِهِ

وأفرَدَني في الدّارِ ليسَ معي أهلي

وهذا الأسود بن يعفُر النهشليّ قد ردّ على ابنته للومها كرمه الزّائد، فقال:

وقالت لا أَراك تُلِيقُ شيئًا
أتُهلِكُ ما جَمعْتَ وتَستفيدُ
فقلتُ بِحَسبِها يَسَرٌ وعارٍ
ومُرْتَحِلٌ إذا رَحَل الوفودُ
فلُومِي إنْ بدا لكِ أو أفيقِي
فقَبْلَكِ فاتَنِي وهو الحَمِيدُ
أبو العَوْراءِ لْم أَكْمَدْ عليهِ
وقيسٌ فاتَني وأخِي يزيدُ
مَضَوْا لِسبيلهمْ وبَقِيتُ وَحدِي
وقَدْ يُغْنِي رَباعته الوَحيدُ
فلوْلا الشّامتونَ أخذْتُ حَقِّي
وإنْ كانتْ بِمَطْلَبِهِ كَؤُودُ

وعانى حُطائط بن يعفُرالنّهشليّ نفس المعاناة مع أمّه رُهْم بنت العَبّاب، الّتي لامته على كرمه الزّائد، فبرّر لها بأنّ الكرم مهمّ للسّيادة -الفخر والمنافسة الّتي تمليها الذّكورة- وصون العرض -«حفظ الوجه»- كما أنّ الكرم لم يُنقص من طعام أحد، أو أودى بأحدٍ إلى أن يهزل ويموت، قال حُطائط:

تقول ابنةُ العَبَّاب رُهْمٌ حَرَبْتَني
حُطائطُ لم تَتْرُكْ لنفسك مَقْعَدا
إذا ما جَمَعْنا صِرْمةً بعد هَجْمةٍ
تكون علينا كابن أُمِّك أَسودا
فقلتُ ولم أَعْيَ الجوابَ تأمَّلي
أكان هُزالًا حَتْفُ زيدٍ وأَرْبَدا
أَرِيني جَوادًا مات هُزْلا لعلَّني
أَرَى ما تَرَيْن أو بخيلًا مُخلَّدا
ذَرِيني أكنْ للمال ربًّا ولا يكنْ
لي المالُ ربًّا تَحَمدي غِبَّه غدا
ذَرِيني فلا أعيا بما حَلَّ ساحَتيِ
أَسُودُ فأُكْفَى أو أطِيعُ المُسَوَّدا
ذريني يكنْ مالي لعِرْضِي وِقايةً
يَقِي المالُ عِرْضِي قَبل أن يتبدَّدا
أجارةَ أهلي بالقَصِيْمَةِ لا يكن

عليَّ ولم أظلِمْ لسانُكِ مِبْرَدا

واتّهمت زوجةُ أبو دواد الإياديّ إيّاه أيضًا بالتّبذير، فردّ عليها قائلًا:

في ثلاثين ذعْذَعتها حقوقٌ
أصبحت أمُّ حَبترٍ تشكوني
زعمتْ لي بأنّني أُفسدُ الما
لَ وأَزويهِ عن قضاءِ ديوني
أَمَّلتُ أَنْ أكونَ عبدًا لمالي

وتَهَنَّا بنافعِ المالِ دوني

وقد اشتهرت عُتبة بنت عفيف -وهي أمّ حاتم الطّائيّ- بالكرم أيضًا، إلى أن ضاق إخوتها ذرعًا بأمر كرمها، فأخذوا أموالها، ثمّ أعادوها بعد عدّة سنوات لها على أن لا تعود إلى التّبذير، إلّا أنّها عادت لإنفاق أموالها على النّاس، وبرّرت عُتبة أنّ كرمها لأنّها عانت الجوع، ولا تريد لأحد معاناته -وقد خرج هذا التّبرير من الأسباب السّابقة الذّكر للكرم، إلّا أنّه يعدّ استثناء لقلّة من استخدموه- فقالت:

لعَمْرِي لَقِدْمًا عضَّني الجوعُ عَضَّةً
فآلَيْتُ ألّا أمنَع الدَّهْرَ جائِعا
فقُولا لهذا اللائمي اليومَ أعفِني
فإنْ أنْتَ لم تفعَلْ فعَضّ الأصابِعَا
فماذا عساكم أن تقُولُوا لأختكم
سِوَى عَذْلِكم أو عَذْلِ مَنْ كان مانِعا
وماذا ترَوْنَ اليومَ إلّا طبيعةً

فكيف بتَرْكي يابْنَ أُمِّ الطَّبَائعا

وقد رفض مالك بن جبّار الطّائيّ مساعدة ابن عمّه حاتم الطائيّ في تنافسه على الكرم مع بني لأم، قال حاتم:

يا مالِ إحدى صروف الدّهرِ قد طرقتْ
يا مالِ ما أنْتُمُ عنها بزحزاحِ
يا مالِ جاءت حياضُ الموتِ واردةً

من بين غمرٍ فخضناه وضحضاحِ

فردّ عليه مالك وقال:

إنّا بَنُو عمِّكم لا أنْ نُبَاعِلكم
ولا نجاوِركم إلّا على نَاحِ
وقد بلَوتُك إذ نلْتَ الثراءَ فلم

ألقكَ بالمالِ إلّا غير مرتاحِ

وقد عدّد طرفة بن العبد القيسيّ الأسباب الّتي أودت إلى خلافه مع عشيرته، وكان منها الإنفاق الزّائد، قال طرفة:

وَمَا زَالَ تَشْرَابِي الخُمُورَ وَلَذَّتِي
وبَيْعِي وإِنْفَاقِي طَرِيْفِي ومُتْلَدِي
إِلَى أنْ تَحَامَتْنِي العَشِيْرَةُ كُلُّهَا
وأُفْرِدْتُ إِفْرَادَ البَعِيْرِ المُعَبَّدِ
رَأَيْتُ بَنِي غَبْرَاءَ لاَ يُنْكِرُونَنِي
وَلاَ أَهْلُ هَذَاكَ الطِّرَافِ المُمَدَّدِ
أَلاَ أَيُّهذا اللّائمي أحضرِ الوَغَى
وَأَنْ أشْهَدِ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي
فإنْ كُنْتَ لاَ تَسْطِيْعُ دَفْعَ مَنِيَّتِي

فَدَعْنِي أُبَادِرُهَا بِمَا مَلَكَتْ يَدِي

فلم يكن توفير المال غاية عند الأفراد الكرماء، على الرغم من وصول بعضهم لنتيجة أنّ التّوفير مهمّ لضمان مستقبل أفضل، ولكنّ أشياءَ أخرى أهمّ -المجد و«حفظ الوجه»، ذكر علقمة الفحل أنّ البخل أدوم لمال الرّجل ولكنّ صاحبه مذموم، فقال:

والجودُ نافِيَةٌ لِلمالِ مُهْلِكَةٌ

والبُخلُ مبقٍ لأهليهِ ومذمومُ

وقال الشّنفرى الأزديّ في نفس المعنى:

وأُعدمُ أحْيانًا وأُغنى وإنّما

ينالُ الغِنى ذو البُعْدَةِ المتبَذِّلُ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد