البصريات عمومًا، والسينما على وجه الحصر، غدت على رأس أدوات الثقافة والرصد المعرفي في عصرنا؛ لما توفره من تلخيص وإيجاز للأفكار، ومرونة في التواصل، فالتثقيف ـ كالوجبات السريعة ـ أصبح لا يحتمل الإطالة، السينما، بهامشها الواسع من التطور التقني، وسبل تمرير المعلومة للمتلقي، أضفت طابعًا فريدًا على حركة التدوين البشرية عمومًا، وتنامت بنسق متسارع، حتى غدت عالمًا بذاتها، لا يتميز على أرضه، إلا صاحب الفكر والابتكار، وبالتأكيد من يمتلك التقنية والقوة الاقتصادية، ومن يسبر أغوار هذا العالم يجد ندرة لدى صناع السينما الذين بإمكانهم إعطاء مؤشرًا جليًا لوجودهم، عبر أعمالهم، دون الرجوع إلى شارة النهاية؛ لقراءة أسمائهم، ودون أن يركنوا للرتابة والتكرار، الأمر لا يبدو يسيرًا، ويحتاج إلى درجة عالية من الإتقان والخبرة، لذا تزداد درجة الصعوبة على المتقدمين الذين يرضخون بشدة لقوانين العرض والطلب التي تمليها طبيعة الإنتاج المعاصر، وفي حال لم يكونوا أنفسهم من أصحاب شركات الإنتاج، فهم يعملون بعقلية المنتج، بل أحيانًا بعقلية المستثمر الذي لا يرى الأمر، إلا من زاوية الربح والخسارة.

المُشاهد، وخاصة المتتبع الشغوف للسينما، لن يجد ـ على سبيل المثال ـ بُدا من معرفة أحد أفلام «وودي ألن»؛ لأنه سيميزها عبر عامل الخبرة لهذا المخضرم الذي رافق الكاميرا لأكثر من ستين عام، وهو ما أفضى لصنع طابع مميز خاص بوودي، يُعرف بالحوارات الدقيقة والمنتقاة، مع مسحة ساخرة تتناثر عبر المشاهد الدرامية.

«هذا في حال افترضنا عدم وجود وودي نفسه كممثل، وهو ليس بالمتكرر»، مع التركيز أن جل أفلامه تدور في فلك الرومانسية الضاحكة، ولا تتجاوز الساعتين من الزمن، مهما احتمل السيناريو الإطالة، وقد لا نجد صعوبة في معرفة أعمال «ألفريد هتشكوك» المشوقة حد الإفراط.

وكذا الأمر مع «سيدني لومين» بأفلامه الكلاسيكية المرتبة، والذي تميز عبرها بطَرقه لمواضيع شتى بزاويته الفنية الخاصة المفعمة بالواقعية الصادمة أحيانًا، ويغلب على معظمها قوة النص، كما جاء في رائعته «الشبكة 1976» والتي تعد من أفضل إنتاج السينما، وقدم من خلاله مفهومه للإعلام كما رآه، وكذا عمله الحواري التاريخي الآخر «12 رجلًا غاضبًا»، وغيرها من الأعمال المتفردة بقوة الحوار، وفاعلية الحبكة التي تغري المشاهد.

كذلك نجد مؤخرًا «كوانتن ترانتينو» المتفرد بأفلامه الحركية المُمسرحة والمقسمة لفصول تجعلها أقرب لمسرح مليء بالتسارع والنشاط، وقس على هذا العديد من مخضرمي الإخراج حول العالم، وأعمالهم التي لا يصعب تمييزها عادة، بعد أن نضجت تجاربهم، ووصلت مرحلة الإثمار.

بيد أن القياس لم يعد بتلك السهولة على محللي السينما الرقمية الحديثة، خاصة التي تعيش عنفوانها الصارخ من انطلاقتها منتصف تسعينات القرن الماضي، مع صعود نجم البطل الممثل فيما جدّ من أعمال، مقابل أفول نظيره المخرج الصانع، الأمر لم يخل من بعض الأسماء، التي فرضت إبداعها على الساحة، ووجدت لنفسها مكانة مع المحاربين القدامى، وانطلقت لتغزو شباك التذاكر مطلع الألفية الثانية، ويظل أبرزهم «كرسيتوفر نولان» و«دارين أرونوفسكي»، وصاحب رائعة «سيكون هنالك دم» «باول أندرسون»، وغيرهم من الأسماء التي تتوالى على دنيا السينما العالمية، وينفرد عنهم بتمييز ملفت مخرج بعينه صنع ـ بدقة ـ نمطًا سينمائيًا خاصًا، وأسلوبًا إخراجيًا سُجل كعلامة أصيلة باسمه، مع قلة أعماله عددًا، ورواجها نوعًا، وهو رجل مقالنا: المخرج الأمريكي «ويس أندرسون»، الذي أبدع في إتقان خط فني متفرد، دون قولبة مملة، وصنع لنفسه مدرسةً خاصةً، مع حداثة عهده، مقارنة بالآخرين.

ألوان حية ونصوص عذبة

يكفي أن تنظر للملصق الإعلاني – البوستر – الخاص بأحد أفلام «ويس أندرسون» حتى تدرك أنه المخرج؛ فهو يعتمد على لغة بصرية مبهجة تخاطب العين بأريحية؛ عبر الألوان الزاهية الباردة، التي تتسلل إلى العقل بسلاسة، وتنقل هدوء «السيناريو» إلى النفس أمدًا ليس بالقصير، وجعلها تنحصر في دائرة العاطفة، والعاطفة المضادة، كالحب والكراهية ،الحنين والفتور، وتُمتع ذهن المتلقي بقوة الحوارات ورشاقتها، أندرسون لم يعمل بمعزل عن تكونيه الفني والأسري؛ إذ أثَّرا في أعماله بشكل بَيّن؛ مما انعكس بتقديمه مفهومًا نشطاً للعلاقات الإنسانية أخرجتها من النمط الكلاسيكي الذي يحاصرها في السينما.

العلاقات الإنسانية تأتي في مقدمة سينما أندرسون الذي آثر الابتعاد عن مفهوم السينما الرائجة (أو ما يطلبه شباك التذاكر) وأفلام الربح السريع، كأفلام المراهقين، وأفلام الحركة والإثارة، وقدم من خلال أعماله التي انطلقت منتصف التسعينيات مفهومًا دراميًا خاصًا به، استمر عليه حتى اللحظة؛ مما جعل البعض يرى في نهجه بعض النخبوية، مع سلاسة طرحه المرئي، نجد أندرسون ينتقل بمرحلية تعكس نشأته ومسيرته، ويأتي ذلك منذ انطلاقته الأولى، بفيلم «الصاروخ الصغير» عام 1996 الذي انطلق به، كفيلم قصير، قبل عامين منذ هذا التاريخ، ثم عمل على تحويله إلى فيلم روائي طويل، وتدور أحداث الفيلم حول ثلاثة أصدقاء يخططون لسرقات متعددة، بمساعدة جارتهم، وذلك بعد خروج أحدهم من مستشفى للأمراض العقلية، بعد انهيار عصبي.

ومع حداثة سنه آن ذاك، وفشل تسويق الفيلم في بداية طرحه، إلا أن «ويس أندرسون» الذي كان المخرج والكاتب في آن، برفقة صديق عمره الممثل «أوين ويلسون» الذي شاركه الكتابة، ورافق ويس في مسيرته – وهو أيضا أحد أبطال الفيلم – قدم عمل بدا مميزًا منذ الوهلة الأولى، وكان يحمل رؤية ناضجة بدت مؤشرًا على انطلاقة مشروع سينمائي حقيقي ابتعد فيه عن رتابة سينما المراهقين، التي صاحبت المخرجين الجدد منتصف التسعينات، وجعلت المخرج «مارتن سكورسيزي»  يرى فيه أحد أفضل عشرة أفلام في فترة التسعينات.

استمر ويس على هذا النسق؛ فأخرج وكتب عمله الثاني «راشمور 1998»، والذي حاك من خلال مقاربة لحياته الشخصية عبر شخصية «ماكس فيشر» ذي 15 عامًا التي جسدها «جيسون شوارتزمان»  أحد الوجوه المتكررة في أفلام ويس، وكان البطل فتى انحصرت أسبابه ليعيش في منطقة «راشمور» في مدرسة «راشمور الثانوية»، التي لم تعرف تفوقه في الدراسة، ولكنه كان مجتهدا في الأنشطة التي لا ترتبط بالمنهج، بداية من تربية النحل، إلى كتابة وتمثيل المسرحيات، فأثر ذلك على مستقبله بوضوح، قصة الفيلم كانت متصلة كثيرًا بحياة أندرسون التي انعكست داخل العمل، وحاول من بدايته التغيير من مفهوم البطل الخارق، واتجه لمفهومه الخاص؛ فكان «ماكس فيشر» بطل الفيلم بطلًا غير نموذجي، إنما إنسانًا عاديًا، يتحدى المصاعب؛ ليصل إلى هدفه، بذلك أحيانا نشفق عليه، وأحيانا أخرى نتحمس؛ حينما ينجح في بضعة مواقف، وهذا كان أشبه بنهج لويس أندرسون.

نضوج الألفية الثانية

ترك بول ويس أندرسون دراسة السينما؛ لأنه فضل أن يتعلم بطريقة عملية: من خلال مشاهدة عدد كبير من الأفلام، وقراءة كتب بعينها، ثم الغوص بنفسه في عالم صناعة السينما، فكان يقول «إنه لا طائل من تلك المدرسة»؛ لأن كل المعلومات التي نريدها موجودة خارجها، وهم لا يقدمون أي جديد.

عطفًا على هذه المفهوم أخذت تجربة سينما أندرسون في النضوج، ورؤيته الفنية في الاكتمال، فنجده مطلع الألفية الثانية ينطلق بتقنية أعلى، ونظرة أشمل لعمله السينمائي الذي بات يعرف غرضه منه على أكمل وجه، اكتملت سينما هذا الشاب المفعمة بالألوان شيئًا فشيئًا فبدت أعماله أشبه بجلسات الاسترخاء، يعمل فيها على كل لقطة، وكأن بها تحفة فنية.

قدم ويس منذ انطلاقة الألفية سبعة أفلام روائية طويلة، إضافة إلى فيلمين قصيرين، كان في جلها نفس المخرج الذي انتصر لواقعية النص، وبهجة الصورة، ولم يبتعد فيها عن محاولة تقديم رؤيته للعلاقات الإنسانية، والتي أثرت فيها دراسته للفلسفة، كان أولها فيلم «عائلة تيننباوم» عام 2001، والذي يسرد قصة عائلية شيقة، وخارجة عن المألوف، وعرف من خلاله قفزة نوعية؛ عبر ترشيحه لجائزة الأوسكار.

تلاه مجموعة مميزة من الأفلام التي لم تبتعد عن النسق العام للمخرج، كان أكثرها تميزًا ـ حسب رأيي – «عالم البحار» مع «ستيف زيسو» 2004، و«قطار دارجيلينج» 2007، إلى أن وصل إلى ذروة نضوجه في فيلم «فندق بودابيست الكبير» 2014، والذي كان أيقونة أعماله، ولخص كل ما يريد هذا المخرج تقديمه في السينما، ورُشِّحَ لنيلِ أربعِ جوائِزَ «غولدن غلوب»، حازَ على واحدةٍ مِنها، وهيَ جائزة أفضل فيلم كوميدي، بالإضافة إلى ترشُّحه لنيلِ 9 جوائِزَ «أوسكار»، تقع أحداثُ القِصّة في دولةٍ خياليّة تُدعَى «زوبروفكا»، تَقَعُ شَرقَ أوروبا عِنْدَ جِبالِ الألب أوهَنتها الحُروب والفَقر. يَصِلُ الكاتِب في صِغره «جود لو» إلى فُندُق بودابِست الكَبير؛ إذ إنّه حَجَزَ غرفةً فيه؛ ليقضيَ بعضَ الوَقتِ بِمُفرَدِه. يَتَعرّفُ هُناكَ على مالِك الفُندُق «زيرو مُصطَفى» فيرى «موراي أبراهام»،  ويَدعوهُ ذاكَ الأخيرُ للعَشاءِ؛ ليروي لهُ قَصَّتَهُ، وكيفَ أصبَح مالِكًا للفُندُق.

القصة صيغت عبر خمسة فصول، حَمل كل منها ذائقة إخراجية رفيعة، وبرزت عبره روح السخرية، والكوميديا عند أندرسون، وكان لافتًا جدًا براعة تصميم الديكور في الفيلم الذي صُور بين «ألمانيا» و«بولندا»، الأمر جعل الفيلم أقرب للوحة تشكيلية متحركة.

الوجوه المتكررة وباريس

محاولة ويس أندرسون الدائمة للعمل من خلال طاقم متكرر وثابت تقريبًا يضم مجموعة بارعة من الفنيين يكون في مقدمتهم عادة شقيقه الأصغر «إيريك» الذي يتولى تصميم ديكورات أفلامه، جعلت من أعمال ويس مميزة بنمط خاص تطغى عليه الزركشة والألوان الحية، وسهلت عليه العمل بأريحية تامة؛ لتحقيق الصورة التي تخالج ذهنه قبل كل فيلم، تكرر العديد من الوجوه عبر مسيرة أندرسون كان أبرزهم رفيق دربه «أوين ويلسون»؛ إذ بدأت مسيرتهما معًا منذ زمن دراسة ويس للفلسفة في «هيوستن تكساس»، كذلك عرفت أفلام أندرسون تواجدًا مكثفا لـ«جاسون شوارتزمان»، «بيل موراي» هو الآخر لم يغب عن أعماله، برفقة مجموعة أخرى من التقنيين والممثلين الذين اعتادوا على تحويل أفكار أندرسون الإخراجية إلى حقيقة نستمتع بمشاهدتها.

من العوامل الأخرى التي شكلت نمطًا خاصًا لبويس أندرسون، تأثره البالغ بسينما أوروبا، وخاصة الفرنسية منها، الأمر الذي زاد من الحساسية السينمائية لديه، وابتعدت به عن «الجفاف الهوليودي»، ونستشف هذا من أندرسون نفسه الذي يختار الأفلام الفرنسية المُنتجة في النصف الثاني من القرن الماضي، كأكثر الأعمال التي أثرت فيه، وصنعت وجدانه الفني، وجعلته يقيم بصفة شبه دائمة بالعاصمة الفرنسية باريس، تطور الرؤى الفنية، الذي وجده في أوروبا، صنع منه مخرجًا يقدم طرحًا أريحيًا وسلسًا، حتى وإن كانت المواضيع المتناولة مضجرة، كالعنف أو الفراق أو المشاعر الإنسانية الحرجة، ومع منحاه الإنساني البَيِّن، إلا أن أعمال ويس تبتعد عن تكرار الطرح، أو اجترار الأفكار: فنجد زاوية نظره للأمور تختلف من فيلم لآخر، فصنع عبر تنوعه في الطرح نمطه الخاص، ورسم سماته تواليًا دون الوقوع في النمطية، ويس لم يسبق أن خان ثقة المتلقي، ويقول إنه «يعمل على فيلمه القادم، كما عمل على فيلمه الأول»، ونحن في شوق لها جميعها؛ لأنها باتت تلمس الخاطر، وتداعب المخيلة، حتى قبل مشاهدتها، ولأننا نعلم جودتها جيدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد