يشغل موضوع التقسيم أغلبية الشعوب المستضعفة في ظل الصراعات القائمة، خصوصًا بعد الثورات العربية.

وكثيرًا ما نسمع المنظرين والنخب الباحثة تحذر منه وتقرع أجراس خطره، بل ونسمعه مرارًا على لسان رؤساء دول قوية كما هو الحال في تركيا وتصريح الرئيس رجب طيب أردوغان أكثر من مرة أن تركيا مستهدفة بمشروع التقسيم.

لكن في مقالي هذا سأحاول توضيح فارقة خطيرة في الصراع، تغفل عنها الكثير من الأقلام الباحثة والمنظرة.

ألا وهي أن المنظومة الغربية ودولها القوية هي نفسها مهددة بالتقسيم أكثر من الدول الإسلامية والمستضعفة، وذلك لعوامل في غاية الوضوح والموضوعية، تتضح مع أبسط مقارنة بين طبيعة العوامل ذاتها.

فالدول التي تحكم الشعوب الإسلامية أغلبها أنشئت كوكالة إدارية لها جيش يحميها مهمتها إحكام السيطرة حتى يتم استنزاف البلد وإنهاك مقدراته المادية والبشرية، ثم تعلن دولة فاشلة.

ولمواصلة استنزافها بطريقة أخرى أكثر قذارة يُطبَّق عليها ما يعرف بمشروع تسويق الفوضى أو الفوضى الخلاقة، وهي لا تعدو أن تكون تجارة دم وديونًا.

ثم يتم تسليم البلد المنهك لجهات أقل قوة وهيمنة لتتقاسم الأرض والشعب مبشرة بحقبة جديدة من حرية العبودية.

فكما ترون إن عامل التقسيم تدخل خارجي محض بكل أشكاله رغم أن كل مكوناتنا وعناصرنا الداخلية مقومات وحدة وتكتل؛ من دين، لغة، أعراق، تاريخ وجغرافيا.

وحتى باقي الديانات والأعراق تعتبرها أمة الإسلام «عناصر مُكوّنة» وليس أقليات أو طوائف.

ورغم كل المكائد والحروب والتقسيمات المختلفة للقارة الهندية المسلمة فالبلقان فالحجاز فالشام فالقرن الأفريقي إلى المغرب العربي، كل ذلك والأمة تحن إلى لقائها وتجمعها ولم يحدث ذلك شرخًا في الانتماء الديني والحضاري.

فالتقسيم هنا إذًا طارئ بعامل خارجي والأصل هو الأمة الواحدة. أما التقسيم بالنسبة للمنظومة الدولية والدول الغربية فالعكس تمامًا! التقسيم هو الأصل والوحدة طارئة هشة.

فالاتحاد السوفييتي لم يتماسك إلا بالحديد والنار، ومع أدنى صراع تهاوى وما زالت نواته روسيا مهددة بالتقسيم من الداخل تحاول جاهدة القفز عليه بضم مقاطعات بالقوة كأسيتونيا، أبخازيا والقرم مؤخرًا، وتسمى سوريا روسيا الجديدة وفق ما يعرف بمشروع الأورسة الذي يجمع بين آسيا وأوروبا في كتلة واحدة.

الولايات المتحدة الأمريكية التي قامت بعد حرب المائة سنة وفق تفاهمات واتفاقات مليئة بالثغرات بين ولاياتها، والتي كل مرة تطالب عددًا منها (حتى الآن 06) بالانفصال والحكم الذاتي خاصة التي على حدود المكسيك.

وقد مثلت أحداث دالاس ولوس أنجلوس الذروة بعد حوادث قتل قامت بها الشرطة ضد شباب سود. وتدهور الوضع إلى المواجهة بالسلاح أيامًا حتى تدخل أوباما وكان خطابه الصادم للأمريكيين والعالم حين قال: «نحن بلد واحد متماسكون على غير ما يبدو»، وهذا بيت القصيد على غير ما يبدو، لأن البادي فعلًا أن الولايات الأمريكية الأصل فيها الفرقة والوحدة الاستثناء وهذا ما يجعلها مهددة بالتقسيم من الداخل كما أسلفت.

لكن المثال الأوضح في كل هذا هو حالة الاتحاد الأوروبي الذي يستحق لقب الرجل المريض.

وحتى لا أطيل – فيمل القارئ – في تبيان أمر جلي، فإني أرى أن الكلام عن تهديد التقسيم للقارة الأوروبية تجاوز مرحلة التنظير إلى التطبيق، ولعل إفلاس دول كاملة فيه كاليونان وأخرى مرشحة للإفلاس كإسبانيا والبرتغال، إلا أن الخروج البريطاني المفاجئ والمدوي كان الخطوة العملية والعد التنازلي لتفكيك الاتحاد بل وتقسيم بعض دوله.

وقد كتبت حينها مقالًا نشره مركز أمية للدراسات الإستراتيجية في الموضوع ذاته. فالتقسيم عندهم أصل وعوامله داخلية والوحدة أمر طارئ وهش، والوحدة عندنا أصل والتقسيم علينا طارئ وعوامله أغلبها خارجية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد