ذكر الرافعي رحمه الله في كتابه (وحي القلم) بأن أساس قوة المجتمع الأوروبي وسر نجاحه وتماسكه وتجانسه هو الأخلاق وثباتها في قلوب وعقول الناس، وأثرها في أقوالهم وأفعالهم ونيتهم، وهذا راجع إلى ثقافة مبنية على المبادئ والقيم الإنسانية الرفيعة السامية النبيلة، مما جعلها حضارة متجسدة في الواقع وقائمة بذاتها. وقد شهدت أوروبا ثورة صناعية ونهضة فكرية وعلمية أخرجتها من الظلمات إلى النور، مما مكنها من أن تزدهر، تنمو و تقوى بسرعة رهيبة وهائلة، هذا ما أهلها لأن تصبح من خير الأمم (تأكل مما تزرع وتلبس مما تصنع) . قال ابن تيمة رحمه الله «ينصر الله الدولة الكافرة إذا كانت عادلة ولا ينصر الدولة المسلمة إذا كانت ظالمة»، وقد عمت في رحابها العدالة الاجتماعية وروح التضامن والتعاون بين الموطنين الحاملين لجنسياتها وسفراء لراياتها في كل بقعة من الأرض.

اليوم خلطت الحسابات السياسية الأمور، تسوست وضعفت المنظومة الأخلاقية تاركة المجال والفراغ لانتشار الميكيافلية، وتغلبت لغة المصالح  على القيم والأخلاق، وانعكس ذلك سلبا على سلوكها واقتصادها ومحرك تنميتها، زلزلت نسيجها المتنوع والمختلط بين الثقافة والدين والإيديولوجيات والمذاهب والهويات والتيارات المشكِلة لأنظمتها وطبقاتها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، مما خلق تهارشا تشاغبا، وعمق أزمة تعايش وعدم قبول الآخر، وأحدث صراعا بين الطبقات العمرانية مما جعل ميزان العدالة يختل بين الألوان و المشارب داخل ديارها و أوطانها.

أصبحت العلاقات التفاعلية في أوروبا بين أفراد شعبها ودولها قائمة على الصدام بمنطق «صموئيل هنتنغتون» Samuel Huntington الذي قال: «لا بد من الحضارات أن تتصارع، ولا بد على الحضارة الغربية أن تهيمن، ولا هيمنة في ظل وجود عقيدة و دين اسمه الإسلام»، وقد تأثر بهذا الطرح شخصيات ثقيلة بارزة في الساحة السياسية الأوروبية والعالمية مثل: نيكولا ساركوزي، ألان فينكل كروت الفيلسوف، مارين لوبان، كرولين فورست، فيليب دو فيلييه، جان فرنسوا كوبيه و أوسكار فرازنغر، ييفن بارين … وغيرهم.

عكر الفكر السلبي والطرح المتطرف الإقصائي العلماني المزيف المشحون بالكراهية والعنصرية والجفاء والغلظة وبرمج عقلية دخيلة تستهدف الإسلام والمسلمين وتلعب على أوتار الإيمان مما أفرز تشنج واضطرابات قد تهتك بالأجيال وبمستقبل أوروبا بكاملها، فصدرت رسوم كاريكاتورية في الدنمارك مستحقرة مهينة ساخرة من سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم مستفزة الملايين من أتباعه المخلصين ولرسالته الربانية القاطنين على ترابها، أحدثت ضجة عالمية تجيشت لها النفوس وتحركت لها الحشود معبرة عن سخطها وغضبها، لكن لم تتوقف الأمور إلى هذا الحد حتى تلبست الصحيفة السياسية الهزلية الأسبوعية الفرنسية لباس حرية التعبير مكررة لنفس الفعل وخادمة نفس الهدف وهو المد والتغذية للإجرام الذي وقف ضده العقلاء الذين لا يشاركوننا ديننا وغيرهم باسم ثقافة احترام الآخر.

المحجبات والحجاب أصبح محل نقاش بالبلاطوهات التلفزيونية، ناهيك عن المحاضرات والمؤتمرات والمناظرات، رغم وجوده في المسيحية واليهودية، وشنت منظمة ( فيمن ) الأوكرانية بما أسمته بحروب التحرر، ومساندة الدولة الفرنسية لقضية (أمينة تيلر) وتشجيعها ودعمها لنشر كتابها (جسدي ملكي) و اعتراض بعض المسلمين للبرامج التربوية التي صنعت الجدال في المجتمعات.

إنّ صعوبة الاندماج والتكامل هذا أحدث ثقبا في الهوية، فلم تعد الكتل الاجتماعية متجانسة ومتناغمة، تحت وطأة الحسابات السياسية والمصالح، إذ حاول الساسة تغيير قانون 1905 الخاص بفصل الدين عن الدولة الذي جاء به الرجل السياسي أريستيد بريان الاشتراكي وتحريف العلمانية وجذورها الفكرية التي عرفها كل من )جان بوبيرو، بوسينسك، إيميل بولا) على أنها بيئة واسعة تحوي جميع الديانات والعقائد، عكس ما يروج له اليوم بأنها نموذج اندماج كلي و خضوع تام للمبادئ والقوانين والعادات والتقاليد الجمهورية بغض النظر إن كانت تخالف أو تُناقض الدين أو مبادئ الفرد والمجتمع .

في هذا السياق، يذهب المفكر طارق رمضان بالقول بأن أوروبا اليوم تمتحن وتختبر، وهي الآن تواجه أزمة إقتصادية عجزت أمامها الطبقة السياسية ومؤسساتها على إدارتها وتحاول تغطية العيوب الفاضحة لفشلها بتأجيج الفتن بين العقائد، وقد صادق (جان تيرول) على كلام هذا الأخير بشأن الأزمات الاقتصادية  أن السياسات المتخذة من طرف الدول غير فعالة.

بينما تتخبط أوروبا في الأزمات والصراعات الحضارية تحت سياسة تأزيم الأوطان تنهار الدول العربية والإسلامية كالدومينو، فكانت الفوضى الخلاقة فرصة لها لإعادة صيانة ذاتها وإصلاح قطاعاتها المتضررة، حيث انغمست في خط الثورات لاستنزاف خيراتها ونهب ثرواتها من غاز وبترول لمواجهة مشاكل داخلية تهدد استقرارها و أمنها الاجتماعي والاقتصادي بالدرجة الأولى، مستعملة شعارات مفرغة من مضمونها مثل (حقوق الإنسان، سلام للأوطان، ودمقرطة البلدان، تنمية العمران) وتبرير كل ذلك باستعمال سلطة كونية (الإعلام) تغطي نية مدسوسة وتغالط وتخادع الرأي العام والمجتمع الدولي. إرسال قوات عسكرية في مالي وليبيا وسوريا جعلها تواجه تنظيم (داعش) الذي يروع منطقة الشرق الأوسط بكاملها، ويهدد أمن الدول التي هي إلى الآن عاجزة على ترويضه أو سحقه ونسفه.

هجوم (الإخوة كواشي) لمقر (شارلي إيبدو)، وعملية الباتاكلان في باريس وتفجيرات بروكسل وأورلاندو ولندن ومدريد، ما هي إلا نتائج لسياسة خارجية وداخلية فاشلة، بحيث صرح أحد المنظمين في صفوف داعش «بأنهم يهاجمون الأراضي العربية المقدسة الطاهرة ونحن نرد بالمثل على أراضيهم».

لما صعد البغدادي على منبر أحد مساجد الموصل بعمامة سوداء تشبه ما كان عليه العباسيون وخطب كأنه خليفة راشد مرددا كلام أبي بكر الصديق «وُليت عليكم و لست بخيركم أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم»، استقطب هذا المشهد التاريخي العديد من الشباب الأوروبي المطرود المهمش وبعض الحالمين بالخلافة المنقذة لكرامة المسلم والإسلام، وقد وجدوا ضالتهم في القتل وسفك الدماء بسم عقيدة ودين وجنسية اسمها … ( الإرهاب ) لا الإسلام، وتوغل التنظيم في كل مكان وكبر نفوذه في الشرق الأوسط وخارجه.

الحرب التي تخوضها الدول العظمى ضد تنظيم داعش على أرض العرب أزاحت الآلاف من المواطنين وخرجوا من ديارهم لاجئين إلى مناطق السلام، كسوريا وليبيا. وفي ظل الأزمات الخانقة التي تمر بها أوروبا تستقبل كل من ألمانيا وفرنسا وغيرها أعداد خيالية نتيجة حراك دولي يضطهد الشعوب باسم حقوق الإنسان والديمقراطية.

في الأخير، ولما تتعطل منظومة الأخلاق يتعطل العطاء والاستمرار والتنمية والتنشئة الصالحة، ويؤدي ذلك إلى نهج سلوك غير إنساني لا يرحم ولا يشفق وتظهر عقليات قلقة مضطربة غير متوازنة وغير مستقرة تسمح بانتشار أمراض نفسية متطرفة، وحتى عقلية وروحية لا تخدم الفرد ولا المجتمع، وما تحتاجه أوروبا اليوم هو أن تقبل وتخضع للواقع وتتفاعل معه وتحاول أن تندمج و تستقبل كل ما هو إيجابي وكل ما يخدم المبادئ الحقيقية التي تقوم عليها الدولة من السلام والأمان والعافية … لا حل للمجتمعات الأوروبية إلا إذا أعادت ضبط مفاهيم الأخلاق والحرية والموازنة بينهما بعقلانية وبعيدا عن «سياسة دك الرؤوس في الرمال» التي تحركها الأهواء والأجندات والمصالح الخاصة ومحاولة بعث من جديد محيط يسوده الهدوء والحب والقبول لا الخضوع والاحترام وتقييم الذات وقراءة الوجع والألم بعيون الداخل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الغرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد