«وما ساحة المعركة إلا مشهد من الفوضى المستمرة، والفائز فيها من يوجه هذه الفوضى ويتحكم فيها، سواء الفوضى الناتجة عنه أو عن خصومه» نابليون

الناظر إلى التطورات السريعة التي طرأت على مسار الحرب في سوريا مؤخرا يدرك مدى تراجع دور اللاعبين الإقليميين، وتأثيرهم في القرار السياسي لصالح القوى الدولية التي صارت تتصارع على الأرض وتتفاوض في الغرف المغلقة نيابة عن الأطراف المتحاربة داخل سوريا وبشكل علني.

***

 

  • سوريا بين الحاضر والمستقبل

 

ولا يهمني هنا كثيرا التعرض لسلوك النظام السوري الدموي وداعميه سواء إيران وحزب الله ثم روسيا، لأن موقفهم واضح منذ اليوم الأول للثورة، وهو القتال حتى آخر طلقة مهما كانت الخسائر!

 

مايهمني هو موقف الغرب وتعامله مع هذه المأساة التي تحولت إلى محرقة لم يعرف العالم مثيلا لها منذ الحرب العالمية الثانية! فهو الذي سمح باتساع رقعة الصراع، وزيادة معدل القتل، وسمح قبل كل شيء ببقاء الأسد ومنع انهياره!

 

ويمكن تقسيم تعامل الغرب مع الحرب السورية زمنيا إلى قسمين؛ قسم أراد فيه الغرب الاستفادة من سوريا الحاضر، والقسم الآخر وهو الذي يريد فيه الغرب السيطرة على سوريا المستقبل (سيناريوهات الحسم في سوريا)

 

  • أمريكا استدرجت جميع خصومها للمستنقع السوري

 

كانت سياسة الولايات المتحدة منذ البداية هي «دعهم يتقاتلون». تحمل أوباما كل النقد الذي يمكن أن يتحمله رئيس يعرف ما يفعله، وصبر على اتهامات بالجهل والضعف والغباء، لكنه كان يسير وفق خطة محددة المعالم، ومن لا يلتزم من أركان إدارته بهذه الخطة كان ينحيه على الفور (وزيرة الخارجية كلينتون، ثم وزير الدفاع)

 

لقد فعل أوباما ما لم يستطع رئيس أن يفعله للولايات المتحدة في تاريخها! لقد نجح أوباما في استدراج جميع خصوم الولايات المتحدة إلى المستنقع السوري، واستنزافهم بشكل ممنهج ومستمر طيلة خمس سنوات، دون أن تتدخل أمريكا عسكريا إلا بأقل القليل وفي عمليات جراحية دقيقة ومحدودة.

 

وحتى تتحكم أمريكا في نيران الحرب السورية، وتوجهها لإحراق خصومها فقط، منعت أمريكا المعارضة من إسقاط النظام السوري حتى لا ينفض السامر،  وهددتهم من قصفهم بالطائرات إذا توجهوا نحو العاصمة أو اقتحموا طريق الساحل! في المقابل سمحت أمريكا لطوب الأرض في إنقاذ النظام المتهاوي الذي وصل العام الماصي إلى أقل سيطرة له على الأرض، حيث كان يسيطر على 17% فقط من التراب السوري، ويشكو من نقص أعداد المقاتلين!

 

لكن السياسات السابقة لم تكن كافية وحدها لمنع انهيار النظام، فرحبت الولايات المتحدة بقدوم روسيا بسلاحها البحري والجوي لإنقاذ الأسد، وامتنعت عن ضرب الفصائل الشيعية التي تقاتله لأنها لا تستهدف أمريكا حسبما قال جون كيري في التسريب الأخير له الذي نشرته نيويورك تايمز!

 

  • أمريكا تتبع سياسة «تجفيف المنابع» ضد المعارضة!

بدأت الولايات المتحدة في اتباع سياسة أمنية كان ينفذها الامن المصري ضد الجماعات الإسلامية في التسعينات، كانت تسمى «تجفيف المنابع»، والمقصود تجفيف المنابع التي تمد المعارضة بالمال والسلاح! فاستمرار تدفق المال السعودي والسلاح التركي إلى الثوار كان يهدد بانهيار نظام الاسد، وهو ما بدأت الولايات المتحدة على تغييره.

 

لم يكن الأمر صعبا بخصوص السعودية، فالمملكة لا تخرج عن طوع أمريكا قد أنملة. سريعا عقدت السعودية مؤتمر الرياض تمهيدا لحضورها مؤتمر جينيف، وفرقت السعودية في المؤتمر بين المعارضة المرضي عنها أمريكيا والتي دعيت إلى الحوار، والمعارضة الإسلامية المغضوب عليها أمريكا والتي لم تدع إلى المؤتمر!

 

أما تركيا فأرادت الولايات المتحدة إخراجها من المعادلة بطرق شتى؛ أولا استدرجتها لفخ إسقاط الطائرة الروسية، وحين تجاوز البلدان الأزمة وتقدم أردوغان باعتذار باللغة الروسية عن هذا الأمر قامت بتنفيذ انقلاب عليه، ولما فشل الانقلاب اضطرت الولايات المتحدة لعقد صفقة مع تركيا!

 

وهذه الصفقة فيما يبدو تتمثل في تدخل الجيش التركي إلى مناطق شمال سوريا للتأكد بنفسه من منع سيناريو  إقامة دولة كردية في شمال سوريا، (لأن أردوغان بعد الانقلاب لم يعد يثق في أي عهود شفهية أو مكتوبة من الغرب)، مقابل فك ارتباط أردوغان بالمعارضة الإسلامية المسلحة في جيش الفتح في حلب، وخاصة جبهة فتح الشام (النصرة سابقا) التي جققت كبرى الانتصارات على النظام في حلب وإدلب وجسر الشغور منذ أكثر من عام!

 

  • سيناريوهات إنهاء الحرب في سوريا

انتهت الولايات المتحدة إذن من المرحلة الاولى في تعاملها مع الحرب السورية، باستنزاف خصومها، وبدأت تفكر في المرحلة الثانية، في المستقبل. كيف ستنتهي الحرب السورية؟ فهذا السؤال سيحد مصير المنطقة ربما لقرن قادم، كما أدت سايكس بيكو إلى ضمان هيمنة الغرب على المنطقة القرن الماضي!

 

بكل وضوح تبدو 3 سيناريوهات تتصارع في سوريا الآن، وكل منها يريد إنهاء الحرب على الطريقوة التي يفضلونها!

 

  • سيناريو النظام

النظام ومن ورائه روسيا وإيران وآخرين يريدون الحفاظ على كامل سوريا تحت سيطرة الحلف الشيعي الروسي وسحق المعارضة عن بكرة أبيهم.

 

  • سيناريو المعارضة اليتيمة

 

التي تريد الانتصار في الحرب، وإسقاط النظام، وبناء نظام سياسي جديد. لكنها فقدت دعم السعودية التي كانت من اكبر داعمي عسكرة الثورة، ولاحقا فقدت دعم تركيا التي خرجت من معادلة الصراع السوري ولو مؤقتا!

 

  • السيناريو الأمريكي

 

أمريكا والغرب يريدون التقسيم، وهذه حقيقة لا مراء فيها! ولذلك منعت المعارضة من إسقاط النظام، وتريد الآن تثبيت وقف إطلاق النار على الأرض وفق المعطيات الحالية التي تمثل استنساخا لتجربتهم في العراق، التي رسخت الطائفية، لتترك بذرة الشقاق تنمو وتكبر وتضمن عدم التئام نسيج هذا البلد ولو بعد عشرات السنين!

 

لكن الأسد ومن ورائه روسيا يستغلون التراجع الذي أصاب المعارضة المسلحة، ويريدون استعادة كافة الأراضي التي فقدها النظام العامين الماضيين، لذا فإنهم يشنون غارات مكثفة بكافة أنواع القنابل لتحقيق السناريو الأول.

 

وأمريكا لا يمكن أن تسمح أن يخرج خصومها من الحرب منتصرين بعد كل الاحترافية التي أدارت بها الحرب طوال خمس سنوات! وهاهي تهدد بشن هجمات على قوات الاسد، لمنعه من استعادة مناطق المعارضة في الشمال السوري، لتنفيذ سيناريو التقسيم بالقوة.

 

 

لكن هل تسكت روسيا على ذلك؟ لم تقتنع روسيا ومعها حق أن ضرب قوات النظام في دير الزور كان مصادفة، وردت على ذلك بقصف قافلة مساعدات إنسانية في حلب، ثم قصف المستفيات الميدانية فيها!

 

ومع اقتراب النظام من تحقيق أهدافه، ترى الوالايت المتحدة أنه لابد من التدخل لمنع بقية السيناريوهات وفرض سيناريو التقسيم بالقوة! وهذا قد يستلزم التدخل عسكريا وتوجيه ضربات جراحية ضد قوات النظام!

 

روسيا من ناحيتها تهدد أن ذلك قد يؤدي لحرب عالمية جديد، وتحشد مزيدا من القوات والبوارج في المتوسط وقواعدها في سوريا!

 

  • سوريا على مفترق طرق!

 

نعود لما بدأناه في بداية المقال؛ موقف روسيا والنظام السوري واضح منذ البداية، وعازمين على القتال حتى آخر طلقة.

 

وموقف الغرب واضح كذلك، لن يسمح بانتصار النظام ولا انتصار المعارضة! لكن ذلك يستدعي تدخلا مباشرا منها مع استمرار رفض الروس والنظام القبول بتثبيت وقف إطلاق نار على الوضع الراهن، وهو ما يعني ضمنا أن اشتباكات بين الدولتين قد تحدث! لقد أحرقوا سوريا بسياساتهم وأسلحتهم، فهل يأتي الدور على سوريا كي تحرقهم هي الأخرى؟

 

أما تركيا فعليها أن تدرك أنه لا يمكن أن تبقى في شمال سوريا إلى الأبد، وأن الضامن الحقيقي لعدم قيام دولة كردية هو انتصار الثورة وبناء نظام سياسي جديد غير طائفي ويمنع التقسيم.

 

لقد تركت تركيا الأمر للغرب الذي يسير قدما في سيناريو التقسيم، وبعدها ستدور الدائرة على تركيا مجددا على تركيا أن تدرك أن فك ارتباطها بالمعارضة المسلحة في سوريا هو خسارة لتركيا مثلما هو خسارة للمعارضة المسلحة. إذا ظن أردوغان أنه بذلك يحمي نفسه فهو واهم، وها هي التفجيرات عادت لإسطنبول اليوم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد