حدث منذ أيام أن طلبت سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن «بتينا موشايت» لقاء مع رئيس وزراء اليمن لأمر مهم وحدثٍ جلل، وعند اللقاء طلبت منه نقل حديقة الحيوانات الموجودة في تعز إلى جيبوتي خوفًا عليها من الموت جوعًا بسبب الحرب الدائرة رحاها الآن في اليمن.

ليست هذه الحادثة من تعاطف الغرب مع الحيوانات هي الأولى؛ فكثيرًا ما نسمع في بلدانهم عن عملية إنقاذ استمرت عدة أيام لإخراج كلبٍ أو قطة علقت في مجاري الصرف الصحي، لا بل في بعض هذه البلدان افتتحت مراكز للاستجمام مخصصة للحيوانات، وهنا لا أعني بحديثي ألا يتعاطف الناس مع الحيوانات وألا يظلموها فديننا العظيم يحضنا على هذا ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قال موصيًا جيشه في إحدى الغزوات: لا تذبحوا بعيرًا أو بقرةً إلا لمأكل ولا تغرقوا نحلًا ولا تحرقوه. لا بل جاء في حديثٍ عنه صلى الله عليه وسلم أن امرأة دخلت النار في قطة فلا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من حشاش الأرض، وعلى النقيض فإن بغيًّا من بغايا بني إسرائيل دخلت الجنة بكلبٍ كان يأكل الثرى من شدة العطش فنزلت إلى بئرٍ وملأت خفها بماءٍ وسقته فغفر الله لها بهذا العمل وقد سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة: أولنا في البهائم أجر يا رسول الله؟ فقال: في كل كبدٍ رطبة أجر.

فديننا يأمرنا بالرفق بالحيوانات وحسن معاملتها، ولكن التناقض وازدواجية المعايير تحدث عند الغرب حينما يمدون العون للحيوانات ويتجاهلون الإنسان لا بل يساهمون بقتله من عدة أوجه.

وكأن بلسان حال سفيرة الاتحاد الأوروبي يقول: حسنًا الحيوانات بنظرنا أهم منكم (أي أهم من الشعب اليمني وغيره من الشعوب) وهذا فيه استفزازٌ كبير لمشاعر آلاف قتلوا ويقتلون يوميًا في اليمن وسوريا والعراق وغيرها من بلاد المسلمين.

فهذه السفيرة خائفة على حيوانات حديقة تعز من الجوع ولم يتبادر إلى ذهنها أو تناست عن عمدٍ الأطفال والنساء الذين ماتوا ويموتون يوميًا بسبب الحصار في مضايا وداريا في سوريا وفي الفلوجة في العراق، وإذا قرروا أن يرسلوا المساعدات لهم يعطونها للجلاد الذي يحاصرهم ويذبحهم كما حدث في محنة مدينة مضايا قبل فترة قصيرة؛ إذ أعطيت المساعدات للنظام السوري ليسلمها لمن يحاصرهم ويقتلهم جوعًا في مضايا!

وهذه السفيرة ومعظم قادة الدول الغربية لم يعبؤوا بمئات الآلاف الذين قتلوا في سوريا بفعل إجرام النظام السوري وطغيانه وجلسوا يتفرجون على المأساة من بعيد لا بل يحاولون إعادة الشرعية للقاتل والترويج من جديد لنظامه، والأمر ذاته حدث في مصر حيث قتل الآلاف في مجزرتي رابعة والنهضة وغيرها وأعيد تسويق القاتل واستقباله في العواصم الغربية.

حدث منذ زمنٍ بعيد أن انقسمت المجتمعات إلى طبقات متعددة؛ فهذه طبقة النبلاء والملوك، وهذه طبقة عامة الشعب، وهناك طبقة أخرى للعبيد، والأمر نفسه يتكرر الآن إذ انقسمت دماء الشعوب إلى درجات؛ فهذه طبقة دماء الشعوب الأوروبية والأمريكية، وهي مقدسة ومن الفئة الأولى التي يقوم العالم ولا يقعد إذا قتل أو جرح شخصٌ منها، وهناك طبقة دماء بقية الشعوب، والطبقة الأخيرة هي طبقة دماء الشعوب العربية والمسلمة وهذه مستباحة الدم والعرض والمال، لا بل قد يفضل بعض الغربيين الحيوانات عليها، وهنا طبعًا لا أبرر قتل أي إنسانٍ بريء على وجه الأرض فديننا عصم الدماء بحقها قال تعالى: «من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا» فالأصل في النفوس والدماء العصمة، ولكنني هنا أتحدث عن نظرة الغرب وتقسيمه لدماء الشعوب بحسب الدين واللون والانتماء.

لعل من اطلع على أمر هذه السفيرة أن يخبرها أو يذكرها إذا نسيت أن ليس ببعيد عن مدينة تعز وحديقة حيواناتها هناك أطفال ونساء يموتون لانعدام الغذاء والدواء، وأن أناسًا آخرين يقصفون ليل نهار بالبراميل والصواريخ في سوريا والعراق واليمن وأفغانستان بنيران طائراتكم، أو على أيدي الحكام الذين عينتموهم على شعوبنا، فلعل حكومات الاتحاد الأوروبي وأمريكا أن يطلعوا على هؤلاء وعلى جراحاتهم ونزفهم ومعاناتهم، وأن يوقفوا قصفهم وقتلهم فهم أولى وأكرم من حيوانات حديقة تعز وغيرها وبدرجات كبيرة، ولا مجال للمقارنات أصلًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الغرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد