وأنا أدرس في الجامعة، دائمًا ما كنت أتناقش مع بعض أساتذتي في قسم الأدب العربي، حول مختلف القضايا الأدبية، والفكرية، والفلسفية، والتراثية، للحضارتين العربية والغربية، وكان الجدل في هذه النقاشات غالبًا ما يدور حول ثلاث قضايا، تتمثل الأولى في كيفية إحياء التراث العربي الإسلامي وبعثه من جديد، واستثمار معارفه في حلِّ الأزمة الحضارية التي تعانيها الأمة الإسلامية حاليًا، أما الثانية فكان يدور حول كيفية قراءة التراث العربي الإسلامي في ضوء ما توصلت إليه الحضارة الغربية من مناهج حداثية صارمة ودقيقة، وكان النقاش الثالث مع بعض أساتذة التيار الحداثي العلماني الذي ينادي بضرورة محاكاة الفعل الحضاري الغربي، وإحداث قطيعة إبستيمولوجية نهائية مع التراث القديم.

وعلى ضوء هذه التجاذبات الفكرية والفلسفية العميقة والمهمة لنهضة كل أمة تروم تحقيق فعلي الازدهار والتقدُّم، ظل سؤال واحد يتبادر إلى ذهني طوال مدَّة وجودي في الجامعة: كيف تعامل الغرب مع تراثهم بصفة عامة، والتراث المسيحي والكنسي بصفة أخص؟ سؤال طرحته وناقشته مع العديد من الأساتذة المحسوبين على الفكر الحداثي، إلا أنني لم أجد تفاعلًا كافيًا، أو أجوبة مقنعة، وهذا إن دلَّ على شيء إنما يدلُّ على تأثر أنصار التيار الحداثي بنتائج الحضارة الغربية، وما توصلت إليه من مناهج ومفاهيم ومصطلحات وتقنيات، في حين أهملوا المقدمات التي أفضت إلى هذه النتائج، ومن بين هذه المقدمات سؤال التراث، كيف قرأت النخبة الغربية تراثها؟

ليس صحيحًا أنَّ إشكالية التراث إشكاليةٌ عربيَّةٌ إسلاميَّةٌ بامتياز، وأنّ غير العرب والمسلمين لم يطرحوه على أنفسهم، أو لم تهجس به ثقافتهم، مثلما تهجس به ثقافتنا، فالثابت هو أن كل المجتمعات الإنسانية، والمجتمعات التاريخية على نحو أخص لها صلة وثيقة بتراثها الثفافي والديني الذي يمثل حلقة الوصل بين حاضرها وبين ماضيها، وإذا كان يُنظر إلى الثقافة الغربية اليوم بوصفها ثقافة متحررة من سؤال التراث إلى حدٍّ كبير، فإنّ حالها قبل 400 عام لم يكن كذلك، أعني لحظة تكوينها كثقافة حديثة، فلقد كانت المجتمعات الأوروبية في تلك الحقبة عرضة لتجاذب حادٍّ بين التيار الأصولي القديم، والتيار الحديث، بين القوى المحافظة ممثلةً في الكنيسة، وبين القوى الصاعدة ذات النفس الثفافي التنويري العقلاني، ولم يكن بدٌّ بين الفريقين إلا النبش في الماضي ومناقشته ومساءلته بصفته الأرض التي يدور حولها  الصراع، فكان لكل فريق منهم روايته، وقراءته الخاصة لهذا الماضي المتنازع حوله.

فقد اتخذت العلاقة بالماضي عند القوى المحافظة في أوروبا شكل اتصالٍ مفتوح على قاعدة التسليم بوجود استمرارية تاريخية بين أوروبا الحديثة وماضيها المسيحي، وهي بهذا المنظار تدين في ثقافتها وقيمها وفكرها لحقائق العقيدة والدين، وينتظم أمر الدولة ونظام الحكم على مقتضى تعاليم الدين والموروث الكنسي، وكل محاولة لإعادة تعريفها خارج هذه الثوابت مروق وضلال وزنذقة تستوجب العقاب، وتكفي الحروب الدينية ومذابحها الجماعية البشعة دليلًا على ذلك النمط من العقاب الدموي الرهيب الذي فرضته الجماعات المحافظة في سبيل حماية فكرة التماهي بين الحاضر والماضي.

في المقابل، اتخذت العلاقة بالماضي لدى القوى الاجتماعية والثقافية الجديدة في أوروبا شكل مراجعة وإعادة نظر على قاعدة وجود قطيعة تاريخية بين حاضر أوروبا وماضيها، والحق أن هذه القطيعة قُصد بها محو الحقبة المسيحية من تاريخها، وإنهاء مفعولها في الفكر والثقافة والسياسة والاجتماع، إلا أن هذه الدعوى كانت تستوجب البحث عن ماضٍ من تاريخ أوروبا يكون نقطة ارتكاز للبناء والانطلاق، وهو ما وجدته في الحقبة الرومانية واليونانية الأولى، وخاصة العقل الأرسطي والتراث الفلسفي الإغريقي والديمقراطية الأثينية، والقانون الرماني القديم.

وفي الحالين، حصلت عودة إلى الماضي، القريب والبعيد، وإعادة قراءة له في ضوء حاضر أوروبي مزدحم بالتناقضات والتجاذبات، غير أنّ تلك العودة لم تقيِّد تطور الثقافة الغربية، أو تفرض عليها منعرجات كتلك التي فرضت على الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، فالقوى المحافظة في أوروبا، وعلى رأسها الكنيسة، لم تنكمش على نفسها والماضي، على الرغم من الضربات الموجعة التي سدَّدتها لها حركة الإصلاح الديني، والنهضة، وعصر الأنوار، والحداثة، بل استفادت كثيرًا من هذه المعطيات، وتفاعلت معها لإعادة إعمار منظومة الفكر المسيحي، وصولًا إلى المراجعات العميقة التي فتحتها الكنيسة، أمَّا القوى الحداثية الفكرية في أوروبا، فلم تكن قطيعتها مع الماضي عدمية ومتطرفة دائمًا، وإنما اتسعت لأشكال مختلفة من الاستلهام والحوار مع التراث الديني، وهذا ما نجده في أعمال فلاسفة من أمثال نيتشه وجيل دولوز عندما حاولا إعادة التفكير في التراث الديني المسيحي بعيدًا عن يقينيات النزعة الوضعية المتطرفة.

وبناءً على ما سبق يمكننا القول إنَّ النخبة الغربيَّة تعاملت مع تراثها الديني المسيحي بعقلانية وبانفتاح وبتسامح، فكانت نظرتها متوازنة وسويَّة لا عُصاب فيها؛ أي نظرة متحرر من حديْن متناقضينْ: النزعة التبجيلية التقديسية، والنزعة الإنكارية الاحتقارية، وليس من شك أنَّ ما قلناه عن سؤال التراث في الغرب يصدق على ثقافات أخرى غير غربية، في آسيا، وفي أمريكا اللاتينية، وغيرها من البلدان التي حذت هذا الحذو في التصالح مع ماضيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تراث, ثقافة
عرض التعليقات
تحميل المزيد