مقدمة

الأساس الذي قامت عليه الدولة الديموقراطية الحديثة في أوروبا وأمريكا وبعض الدول في بقية قارات العالم هو (العقد الاجتماعي)، الذي تبناه في البداية الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (1588–1679) ومن بعده الإنجليزي الآخر جون لوك (1632-1704) الذي ساهم عقده الاجتماعي وليبراليته في كتابه إعلان الاستقلال والدستور الأمريكيين! كما شاركه في المساهمة بنفس الأفكار الفيلسوف السياسي الفرنسي الشهير جان جاك روسو (1712-1778)، الذي ساهم كتابه (العقد الاجتماعي) 1762 في تأجيج الثورة الفرنسية 1789. وفصل الفرنسي الآخر البارون دي مونتيسيكيو (1689-1755) السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية عن بعضها البعض. كل هؤلاء الفلاسفة ساهموا في بناء المجتمع المدني أي الدولة الديموقراطية الحديثة القائمة على الانتخابات الحرة النزيهة، وتداول السلطة بشكل سلمي بناء على نتائج هذه الانتخابات، وأن الحكومة ليست إلا موظفًا مكلفًا للعمل على تقديم أفضل سبل العيش للمواطنين والمحافظة على حدود الوطن وحرية وتماسك المجتمع.

حُكم مَلَكي مقنع

1. الأحزاب الملكية

ولكن متعة حرفت النسق الديمقراطي الليبرالي عن هدفه في حكم الناس بالعدل وبذل الجهد لتلبية الحاجات المادية والنفسية للمجتمع. فتراجع النسق الديمقراطي، بل تجمد عند حدود الديكتاتورية! فالديموقراطية في الغرب مقننة لتواكب أجندات المصالح المادية الخاصة للسياسيين وأحزابهم وجمعياتهم السرية كالماسونية أو دهاقنة النظام العالمي الجديد، فلا يخفى على المتابعين أن معظم السياسيين في الديمقراطيات الغربية من البرلمانيين والرؤساء هم من أصحاب المليارات وآخرهم دونالد ترمب! كما أن معظمهم مرتبط بتجارة الطاقة (البترول والغاز) وكيفية السيطرة على مصادرها، بل ويرسلون الجيوش والأساطيل لاحتلال تلك المصادر لصالح شركاتهم الخاصة أولا ثم لبلادهم ثانيا. إنها ديموقراطية القوة التي تفرض على الشعوب ما يتوافق مع تلك الأجندات الخاصة إضافة للأجندة الاستعمارية المباشرة وغير المباشرة. حتى أن شكل معظم الديمقراطيات الكبرى أشبه بالأنظمة الملكية المستبدة. فبريطانيا التي تُعتبر أعرق الديمقراطيات الغربية، التنافس فيها على الأغلب بين حزبين اثنين فقط: حزب العمال وحزب المحافظين، أي أن التطور السياسي شبه متوقف لانعدام المنافسة خارج هذين الحزبين. وكذلك الحال في جارتها فرنسا حيث يتنافس في انتخاباتها عادة الجمهوريين والاشتراكيين، إلا في الآونة الأخيرة انضم إليهما اليمين المتطرف بزعامة عائلة لوبين.

أما في أمريكا الدولة الأولى في عالم اليوم وحلم الكثير من شعوب العالم التواقة للديمقراطية، وذات الـ300 مليون مواطن فلا يوجد إلا حزبين اثنين أيضا: الحزب الديموقراطي والحزب الجمهوري. وهما يتناوبان على حكم أمريكا والبلطجة في كل أنحاء العالم، ولمَ لا يكون الحزبان متفقان على تقاسم الحكم والبلطجة! ولعل ديموقراطية أمريكا لا تختلف عن مَلَكية الحكم في الكويت، حيث يحكم الكويت جناحا عائلة الصباح: عائلة جابر الأحمد وعبد الله السالم! وحتى ديموقراطية بريطانيا العريقة لا تختلف عن ديموقراطيتي الكويت وأمريكا! وهذا ينطبق تماما على ديموقراطية روسيا الاتحادية بشكل أكثر سوء: ففلاديمير بوتين وديمتري ميدفيدف يتناوبان على رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء. وهذا هو النمط السائد للحكم في معظم الديموقراطيات الغربية. وإن كانت هناك بعض الاستثناءات أحيانا، لكن لا تلبث أن تعود الأمور إلى نصابها! ما تقدم يوضح أن البلطجة السياسية تُمارس داخلياً عن طريق اقتسام حزبين أو شخصين السلطة والتناوب عليها بطريقة ديموقراطية!

2. البرامج الانتخابية

حتى البرامج الانتخابية في تلك الديموقراطيات تدور حول أمور تافهة، فلا تتعدى المنافسة في تحسين معيشة المواطن اليومية – وهي غالبا لا تحصل – وخفض أو رفع سعر الفائدة في البنوك المحلية، أو فرض ضرائب جديدة أو خفضها، وبعض الأمور الأخرى التي قد لا تهم حتى الناخبين! فليس في البرامج الانتخابية تحرير الإنسان من حب التسلط والتوقف عن نهب ثروات البلاد الأخرى، كما لا يوجد فيها ما يدعو إلى المساواة بين الأعراق والأديان أو نبذ فرض الإيمان بالنظريات المتطرفة كالدارونية الاجتماعية ونظرية التطور الدارونية الأصلية، كما لم تكن هناك حرية لمناقشة الهولوكوست اليهودي ومعاداة السامية! ناهيك عن برامج انهاء الاحتلال الغاشم للشعوب وتركها تتمتع بثرواتها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، إلا بما يخدم حرية الإنسان وتقدمه! وكثيرا ما تحتوي البرامج الانتخابية النفَس الديني والتمييز العنصري ضد الكثير من الشعوب الفقيرة والملونة، فاليمين في فرنسا وبولندا وفي معظم دول أوروبا يريد طرد الأجانب والمسلمين ويمنع الهجرة واللجوء السياسي! ونلاحظ أنه يتم الترويج لهذه البرامج الانتخابية التافهة بإنفاق مئات الملايين من الدولارات وأحيانا بضع مليارات كما في انتخابات الرئاسة الأمريكية!

الخلاصة

أي أن التمتع بالجلوس على كرسي الحكم وحب السيطرة والاستبداد لم يكن حكرا على حكام العرب وحكام ما يُسمى بالعالم الثالث، بل انتقل إلى حكام وأحزاب الغرب الديموقراطي، فسال لعابهم للمكوث أطول فترة في الحكم، بل ربما يتحول إلى حكم ملكي حقيقي قريبا، فلديهم القوة والمال والإعلام القذر! فقد تساءل جورج بوش يوما لماذا لا يبقى في الحكم مدى الحياة مثل الملك فهد! وبالرغم من أن ملكة بريطانيا اليزابيث الثانية تملك ولا تحكم إلا شكليا فقد تجاوز عمرها التسعين عاما، ولم تسأم الجلوس على عرش بريطانيا، وابنها تشارلز الذي قارب السبعين عاما ربما يعد الأيام والليالي والساعات ليخلفها، ولكن يبدو أن متعة الجلوس على الكرسي تطيل العمر، فربما يموت قبل أن يجلس على العرش! لم نسمع بملك مات قبل أن يبلغ من العمر عتيًا حتى في أوروبا الديمقراطية، إلا ما ندر!

تعليق

وأخيرا ثبت صدق الاغريقي أفلاطون في أن الديمقراطية تأتي بالمستبدين، وإن كنا في العالمين العربي والإسلامي نتوق إليها ونعتقد أننا سنجعلها ربما مختلفة – ولهذا يحاربونها بكل حقد في بلادنا – أو لأن الرمد أهون من العمى! أما هيجل فلا يزال كذابا حتى الآن لقوله: إن تاريخ العالم ليس إلا تقدم الوعي بالحرية”، إلا أن الحرية تواجه انتكاسات عميقة سنة بعد أخرى. فرجال الـ FBI يستطيعون الدخول إلى بيت أي أمريكي بعلمه وبدون علمه، وهذه أمريكا حلم معظم الشعوب المقهورة! كما أن الإعلام يحول البريء إلى متهم والعكس صحيح! أصبح حكام الديموقراطيات الغربية الذين، ربما، عوّل عليهم هيجل لبسط الحرية في العالم، من دعاة الاستبداد ليس خارج حدودهم فقط، بل في أوطانهم! فما العمليات الإرهابية في أوربا وأمريكا والتي يتهمون بها المسلمين والتي تتبناها داعش، إلا تدريبات على تأديب مواطنيهم في حال فكروا بثورة ينالون فيها حريتهم كاملة.

إعلام الديمقراطيات الغربية لا ينقل أخبار الهجمات البربرية التي تنفذها قواتهم ضد أطفال أبرياء في أفغانستان والعراق والباكستان وسوريا واليمن. بلغوا من البربرية مبلغا لا يطاق، ونفخوا في صدور مواطنيهم الحقد على الديانات والأعراق الأخرى بشكل وحشي ليتسنى لهم تخزين مئات المليارات في حساباتهم ويتركوا شعوبهم تنام تحت الجسور وتبحث عن لقمة العيش في القمامة. بينما تقطر الشمبانيا من شفاههم، تسيل دماء الشعوب من بين أصابعهم! هذه هي ديموقراطية الغرب التي يريد أوغاد العرب أن نقلدها!

كونوا – كما أنتم – مؤمنين ولأي دين تنتمون، أو ملحدين؛ ستكتشفون أن نظام الشورى الإسلامي هو الأنجح لإدارة أية دولة أو تجمع دول، ولكنه يختلف كل الاختلاف عما ترونه الآن في بعض الدول!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد