(1)

التغيرات المتلاحقة والأحداث المثيرة والوقائع التي تقريبًا لأول مرة يراها العالم حاضرة اليوم في الشرق الأوسط، متمثلة في حالة من عدم الاستقرار المستمر بسبب سقوط نظام هنا وقيام الآخر هناك، واستبداد بعض الحكام الذي آلت نتيجته إلى إثارة النزاعات في بلاد مثل اليمن وسوريا والعراق ولم تسلم منها ليبيا، فنرى نشأة تنظيم ذي حالة خاصة وطبيعة فريدة تظهر لأول مرة على الساحة العالمية، وهو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، يقول العديد من المحللين السياسيين أن داعش خلق قوى ثالثة لم تكن موجودة من قبل بين قوتين أساسيتين تتميز إحداهما بأنها قوة محافظة “تعمل على المحافظة على الأسس والقواعد التي يدار بها العالم الآن دون تغيير جذري في شكل تلك القوى أو من يتحكم في سيرها واختيار أدوارها في الساحة العالمية”، وتتميز الأخرى بأنها قوى مراجعة تسعى لتغير بعض القواعد والترتيبات الموجودة في النظام العالمي اليوم.

تعيد اليوم كل من القوتين النظر في حساباتهما بعد ظهور تلك القوة الثالثة التي ظهرت للجميع فجأة وبدون أي حسابات تهدد كلتا القوتين وتعتبر مدمرة للعالم أجمع.

وتظهر تلك المراجعة في عدة تصريحات من بعض المسئولين بأن أمريكا وقوى العالم الغربي المهيمن صاحب المصالح في الشرق الأوسط كانوا أسبابًا في انتشار التطرف الذي أدى بعد ذلك إلى الإرهاب الذي نشهده اليوم، مثل تصريح رئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير في حواره مع شبكة “سي.إن.إن” بأن الحرب على العراق ساعدت في تنامي قوى الإرهاب فيما بعد وأسهمت بشكل مباشر في خلق البيئة التي أتاحت ظهور تنظيم الدولة على حد تعبيره، على أنه يجب أن لا ننسى تلك العوامل الداخلية الخاصة بكل دولة من تلك الدول التي انتشر فيها التطرف الديني، وساعدت العوامل الخارجية سابقة الذكر من تدخل الدول الكبرى في شئون الدول الداخلية لحماية مصالحها، إلى أن تحول هذا التطرف إلى أكبر الكيانات الإرهابية تنظيمًا في العصر الحديث، حيث أن داعش أصبحت تهدد كيان واستقرار العديد من الدول، وذلك على عكس ما كانت تمثله بعض الكيانات الإرهابية سابقًا من خطورة على جهاز معين في الدولة أو مجرد الانتقام بعملية إرهابية هنا أو هناك.

 

(2)

إذًا وبعد كل تلك الأزمات والخلل في المنظومة الأمنية في الشرق الأوسط، وتدخل العديد من القوة الفاعلة من الدول ومن غير الدول في محددات وشكل الصراع القائم بالنسبة لمواجهة تنظيم الدولة في كل من مناطق العراق والشام، واستمرار الصراع على السلطة والحرب الأهلية الدائرة في سوريا، ومع عجز السياسة الأمريكية مرتبطة ببعض دول أوروبا بالتبعية في حل أو تقديم حلول مناسبة للحيلولة دون وقوع المنطقة بالكامل في عدم استقرار أمني، يهدد كيان دول الشرق الأوسط وبالتالي يبعث القلق في نفوس الإدارة الأمريكية ودول العالم الغربي المسيطر في الحفاظ على المصالح الإستراتيجية المتمثلة والكامنة في العديد من دول الخليج والشرق الأوسط بالكامل.

 

(3)

ومع بيان عجز وعدم القدرة الأمريكية وبعض دول أوروبا في تقديم رؤيا وأطروحات تساعد في استرجاع الاستقرار الأمني في الشرق الأوسط، بعدما كانت أمريكا هي صاحبة الامتياز في إدارة الأزمات في المنطقة، وأيضًا مع توجه الإدارة الأمريكية لبسط نفوذ لها في آسيا مع الصعود الاقتصادي الآسيوي، هل ستستمر الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا وحتى روسيا في الهيمنة والمحافظة على وجودها في الشرق الأوسط والتدخل في شئونها للمحافظة على مصالحها؟

 

قد يرى البعض أن الإجابة: بنعم، ستستمر الهيمنة الغربية من قبل الدول الكبرى وذلك لعدة أسباب أهمها:-

1 – استمرار أهمية النفط بوصفه سلعة إستراتيجية:

وذلك أمر طبيعي مع أهمية النفط بالنسبة لتلك الدول وأيضًا تمّيز المنطقة بأنها أكبر منطقة في العالم لإنتاج النفط، فتمثل مطمعًا لكبرى الدول للسيطرة والاستحواذ وإقامة علاقات مع دول الشرق الأوسط؛ فوجود المملكة السعودية كأكبر منتج ومصدر للنفط في العالم جعل المنطقة محافظة على وضعها المتميز على مدي عقود، ولكن مع ظهور النفط الصخري في الولايات المتحدة وازدياد الناتج من المواد البترولية للدول غير الأعضاء في منظمة “الأوبك” أدى إلى زيادة المعروض وانخفاض أسعار المواد البترولية، ولكن هل بالضرورة نتيجة لتلك العوامل تقل أهمية الشرق الأوسط خصوصًا في ناحية استيراد النفط؟

الإجابة بالنسبة للمدى القصير قد تكون نعم، ولكن على المدى البعيد ستستمر تلك الأهمية وستعود مجددًا, ذلك لسببين أولهما هو انخفاض القدرة الإنتاجية لتلك الآبار الخاصة بالنفط الصخري في الولايات المتحدة واستقرارها، السبب الثاني اهتمام أمريكا بالحفاظ على حصة الدول التابعة والحليفة للسياسة الأمريكية مثل تلك الموجودة في أوروبا واليابان.

2 – مخزن سلاح العالم:

فمنطقة الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم تكديسًا للسلاح، حيث احتلت السعودية المركز الأول وتليها الإمارات في المركز الثاني بين الدول الأكثر شراءً للسلاح في الشرق الأوسط؛ وذلك وفقًا للتقرير الصادر من معهد سييبري السويدي بنسبة 25% من صفقات السلاح في العالم أجمع، وأيضًا أشار بأن حجم الأموال التي أنفقت عليها 196 مليار دولار في 2014، واستحوذت دول الشرق الأوسط بنسبة 32% من حجم مبيعات الأسلحة الأمريكية.

3 – مكانة إسرائيل المتميزة:

وهذا أمر بديهي للغاية؛ فأكثر الدول التي تحرص الولايات المتحدة على مصالحها في الشرق الأوسط هي إسرائيل، والعلاقات التاريخية بين البلدين توضح وتثبت مدى ارتباط مصير دولة إسرائيل بالولايات المتحدة، وحتى تدخل أمريكا دائمًا في صنع القرار في الشرق الأوسط هو الحائل الأساسي لوجود حل للقضية العربية – الإسرائيلية.

 4 – تصدير الإرهاب:

توصف المنطقة حاليًا بأنها بؤرة ومرجل الصراعات في العالم، وذلك لظهور ونمو التنظيمات الإرهابية وانهيار الأنظمة الأمنية وعدم الاستقرار السياسي في عدة دول شرق أوسطية، وجاءت أربع دول عربية من ضمن المراكز العشرة الأولى في مؤشر الإرهاب العالمي للعام 2015 وهم العراق وسوريا فاليمن وليبيا، وينبع الاهتمام الدولي بالمنطقة من الخوف من مخاطر انتقال الأنشطة الإرهابية إلى الدول الغربية.

5 – السيطرة على تصدير اللاجئين إلى أوروبا:

وتلك القضية الهامة التي تقلق وتشغل بال غالبية دول أوروبا، حيث يصل عدد اللاجئين السوريين وفقًا لمنظمة الأمم المتحدة 4 مليون لاجئ حول العالم تقريبًا ومع زيادة الأعداد عامًا تلو الآخر، تزداد الأزمة ويزداد اهتمام دول أوروبا بكيفية حل تلك المشكلة، أو المساهمة في حل القضية السورية.

 

(4)

كل تلك العوامل تشهد على أهمية وجود الهيمنة من قبل الدول الكبرى للحفاظ على مصالحها طويلة الأمد في الشرق الأوسط، فإن مصالحهم تستند إلى حسابات اقتصادية ولوجستية وسياسية، هذا ما يدعونا إلى القول بأن سياسة القوى الغربية المهيمنة لن تتغير تجاه الشرق الأوسط بل ستلعب المزيد من الأدوار وتقديم العديد من الأطروحات لاحتواء الأزمات الأمنية والجماعات المتطرفة، حتى لا تنتقل تلك الأفكار والممارسات إلى قلب ديارهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد