يعد مصطلح الإسلاموفوبيا من المصطلحات الحديثة التداول نسبيًّا في الفضاء المعرفي المعني بصورة خاصة بعلاقة الإسلام بالغرب، والتي معناها الكراهية أو الخوف من الإسلام والمسلمين، وهي موجودة في الدول الغربية وثقافاتها منذ قرون، ولكنها ازدادت وضوحًا وتطرفًا وخطورة في السنوات العشرين الأخيرة، في كل قطاعات المجتمع، إذ بدأت الأبعاد السياسية لمفهوم الإسلاموفوبيا تتبلور منذ أواخر السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، إثر بروز ظاهرة ما يسمى بالصحوة الإسلامية، أو صعود الإسلام السياسي في العالم العربي الإسلامي، وخاصة بعد الثورة الإيرانية بزعمامة الإمام الخميني 1979، وتزايد الاهتمام الغربي بدراسة ظاهرة تنامي الصعود السياسي للتيارات الإسلامية والأصولية، وتأثيرات ذلك على الغرب، خاصة بعد انطلاق ما يسمى بالإرهاب الإسلامي، وحوادث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بالولايات المتحدة الأمريكية، وهي في الواقع ظاهرة قديمة قدم الدين الإسلامي نفسه، وربما كان من الممكن القول إن هذه الظاهرة تضرب بجذورها عميقًا في تاريخ قديم حافل بمسلسل طويل من العلاقات المضطربة بين الغرب والإسلام، إذ يوضح تاريخ العلاقات والتفاعل بين الغرب والعالم الإسلامي مجموعة من الرواسب التاريخية المتحكمة في منطلقات كل طرف، وذلك من خلال التصورات الغربية التي تدعي أن الإسلام في البداية انتشر بحد السيف، ويحمل في طياته آليات تدعو إلى العنف، ثم انتقل الصراع في إطار الحروب الصليبية ليأخذ منحنى آخر، ففضلًا عن المواجهة المادية الاستعمارية التي استهدفت العالم الإسلامي، ظهرت حملة تشويش لقيم وتعاليم الدين الإسلامي من قبل السلطة الدينية البابوية ذات السلطة السياسية في أوروبا، فغدت هذه الظاهرة مرضًا يفرض على وسائل الإعلام من خلال إشاعة ثقافة رفض الآخر، والتطرف والكراهية، وإثارة الأحقاد.

أصبح يعمل الغرب على تشويه كل معالم الدين بمظاهر تسيء إلى الأمة الإسلامية الحقيقية، في الكتب، والمجلات، والصحف، والمسرح، وحتى أشرطة السينما بكل اهتمامتها، بالإضافة إلى ألعاب الفيديو التي لم تخل من هذا الموضوع، كما أنه أيضًا مطروح على ساحة البحث في المؤتمرات والندوات، ومتغلغل بشكل أكبر في الإذاعات المرئية والمسموعة، ناهيك عن شبكة المعلومات الدولية، كما تجسد في لوحات فنية مشهورة رسمها فنانون أوروبيون، ورسوم ساخرة غزت أوروبا، فضلًا عن أن عددًا لا بأس به من الساسة ورجال الدين لم يسلموا من هذا المرض، فاستقر هذا الأخير في الذهنية الغربية بوصفه تعبيرًا عن خطر داهم محدق يتهدد كل ما هو غربي، ربما انطلاقًا من الاقتران المتكرر الذي يمكن ملاحظته في مسيرة التاريخ، الذي يوحي وكأن هناك نوعًا من العلاقة الحتمية بين صعود نجم الحضارة الإسلامية وانحدار نظيرتها الغربية.

إن الإسلاموفوبيا والإعلام مسألتان مترابطان، حتى إن مصطلح الإسلاموفوبيا هو في نهاية المطاف إبداع من إنتاج الإعلام صحفيًّا وإعلاميًّا، ثم أحيل إلى الدوائر العلمية والأكاديمية الغربية، من أجل ضبط مفهومه وصياغة النظرية، التي يمكن أن تساهم في فهم كل ما يتعلق به، فعند ربط الإسلاموفوبيا بالإعلام يمكننا القول إنها تعبر عن كل الممارسات والأحكام المسبقة ضد المسلمين، والتي تضم شيطنة المسلمين وتفريغهم من إنسانيتهم، إلى أنها عبارة عن اتجاهات سلبية وعنصرية، وتحرش جسدي وتشويه لصورة المسلمين، كما تظهرها وسائل الإعلام، فعند وقوع أي حادث ضد المسلمين في أي مكان من أوروبا تتحرك وسائل الإعلام الغربية بشكل منهجي، وباستعمال الخبراء من مختلف الميادين، من أجل تبليغ خبر هذا الحديث إلى مختلف شرائح المواطنين، ولكن وفق الأيديولوجية التي تقف وراء المال الذي يمول وسائل الإعلام المختلفة، فتكون التغطية موجهة ليس لفضح هذه الممارسات، وإنما لفضح ضحاياهم، وهذا ما يجعل الكثير من الناس معرضين لمشاهدة صورة مشوهة عن الإسلام في الأفلام، وفي البرامج التلفزيونية الشعبية، وحتى في مجلات الرسوم المتحركة؛ فبالرغم من تنوع الثقافة الإسلامية يُقَدَم المسلم دائمًا وفق صورة واحدة كعربي، وبالخصوص كعربي إرهابي، أصبح يمثل خطرًا على الحضارة الغربية في عقر دارها.

قد أصبح الإسلاموفوبيا ثقافة تميز الجماعات الدينية المتطرفة المعادية للإسلام، الأمر الذي يجعل منها قضية حقوق إنسان تسدعي النظر إليها دوليًّا ومؤسسيًّا، بل إن ما يكمن إخفاؤه اليوم أن الإسلاموفوبيا والكراهية للمسلمين تحولت خلال العشرية الأخيرة إلى سياسة دولة في كل من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ يمكن القول إن معاداة الإسلام أصبحت مسألة جيوسياسية ووطنية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، كما يرى نورمان سولومون، ومع ذلك يتعامل معظم الغربيين سياسيين وإعلاميين وأكاديميين مع هذه الظاهرة على أنها مرتبطة بالهجمات الإرهابية، فحتى إن كانت السلوكيات الإسلاموفوبية سلوكيات مزمنة ترافق الواقع اليومي للمسلمين في الغرب، فإن التركيز السياسي والإعلامي عليها يزداد عندما تتأزم العلاقات بين الغرب والمسلمين، أثناء الهجمات التي توصف بالإرهابية، بحيث إن المخاوف المرضية من الإسلام لها عدة سمات أساسية مرتبطة بعضها ببعض:

كرؤية الثقافة الإسلامية على أنها متحجرة وغير قابلة للتغير.

الزعم بأن الثقافات الإسلامية تختلف اختلافا كاملاً عن الثقافات الأخرى.

– اعتبار الإسلام مصدر تهديد دائم.

الزعم بأن أنصار الإسلام يستخدمون عقيدتهم أساسًا استخدامًا سياسيًّا وعسكريًّا.

رفض انتقادات المسلمين الموجهة للمجتمعات والثقافات الغربية رفضًا لا شعوريًّا.

الخوف من الإسلام والعداء العنصري لهجرة المسلمين إلى دول أوروبا.

– عد «الإسلاموفوبيا» أمرًا طبيعيًّا ولا يمثل أي مشكلة.

الإسلاموفوبيا هو نتيجة فكر عنصري ومتطرف يريد إقصاء الآخر، عادة ما يستغله بعض الانتهازيين لتحقيق أهداف سياسية شخصية بالتعاون مع إعلام منحاز ومضلل، يستثمرون الكراهية والاحتقان للدعوة إلى حرب شاملة ضد الإسلام والمسلمين، وهو خطاب لا يختلف كثيرًا عما كتبه يوحنا الدمشقي في القرن السابع، وكرره غيره من غير المسلمين على مدى قرون عديدة، متبنين نظريته بشكل أكثر تطرفًا وعنصرية، إذ يصورون الإسلام دائمًا على أنه جامد ومتحجر وغير متسامح مع من يختلف معه أو يدخل معه في نزاع، كما تضيف القناعات الشعبية في الغرب إلى تشويهات إضافية لصورة الإسلام والمسلمين، وهي قناعات خاطئة مبنية على فوقية المستعمر وتعالي التفوق العلمي والتكنولوجي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

s