شكلت فاجعة ومذبحة نيوزيلندا الأخيرة -التي راح ضحيتها أكثر من خمسين مسلمًا على يد متطرف يميني- صدمة لدى الأوساط السياسية الأوروبية والفكرية والثقافية التي تتبنى الخطاب الديمقراطي، إذ أن هذا الحادث يؤكد على مدى خطورة الأحزاب الشعبوية اليمينية في تهديد التجربة الديمقراطية الغربية التي احتوت كل الأطياف الشعبية والألوان الثقافية والدينية، والذي يشكل حاضنة جيدة في رعاية وحماية حقوق المسلمين أكثر من بلدانهم التي ترزح تحت نيران الطغيان والديكتاتورية وهضم الحقوق وعدم المساواة في ثروات وخيرات أوطانهم المخطوفة من قبل الأنظمة السياسية العربية المنكوبة.

وكما هو معروف فإنه بعد صعود نجم الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) إلى سدة الحكم، الذي لا يخفى على أحد تبنيه للخطاب الشعبوي وللأيديولوجيا اليمينية المتطرفة التي تقصي الآخر، وهو خطاب أشبه بالفكر النازي والفاشي وهذا واضح من خلال تصريحاته المثيرة للجدل حول قضايا حقوق المهاجرين والانتقاص منهم بطريقة قريبة من التهكم والسخرية وليس النقد البنّاء، وما قراره الأخير ببناء جدار على حدود المكسيك والذي شكل جدلًا قويًا بين المؤسسة التشريعية الأمريكية -التي تمثلها الكونجرس- في مواجهة قرارات السلطة التنفيذية بالمكتب البيضاوي -الذي سيطر عليه الخطاب اليميني المتطرف- إلا دليلًا على نوع الرؤية الضيقة للأمور التي تعتمد على خطاب إقصائي متطرف، فكان هذا الخطاب منطلقًا نحو إحياء حركات وأفكار وتنظيرات اليمين الشعبوي المتطرف بالقارة العجوز، علمًا بأن الإرهابي الأسترالي صرح في تغريداته العنصرية في تويتر بجعل (ترامب) رمزًا للعرق الأبيض النقي بسبب سياساته وتصريحاته المناوئة للآخر.

ولابد من الإشارة إلى أن الخطاب اليميني الشعبوي المتطرف تنامى بشكل كبير في الولايات المتحدة في بداية 2009 مع صعود حركة الشاي القومية الراديكالية (tea party movement) لأول مرة في الساحة السياسية الأمريكية وكانت مدفوعة بخطر انتصار (باراك أوباما) في الرئاسة، والعداء الشديد الذي أظهرته هذه الحركة ضد برنامج إصلاح الرعاية الصحية الذي دعا إليه (أوباما).هذه الحركة تغلغلت في صفوف الحزب الجمهوري والديمقراطي على حد سواء، لكن تأثيرهم في الجمهوريين واضح  جدًا، نظرًا لنجاح حركة الشاي والتي بالأساس أنشئت داخل الحزب الجمهوري في دفع أعضاء الحزب أكثر نحو التطرف والراديكالية، فقد أصبح للحركة نفوذًا ليس بالهين في أوساط الكونغرس، والذي يعطيها فعليًا -وفي بعض الأحيان- القدرة على عرقلة المنظومة التشريعية الأمريكية بالكامل.ولعل العلامة الأبرز على انبعاث الشعبوية من جديد في القارة الأوروبية وتنامي أدبياتها وأفكارها اليمينية المتطرفة في أوساط الحياة السياسية وفي أوساط بعض النخب، حصول حزب Vox الإسباني اليميني على 12 مقعدًا بالانتخابات الجهوية البلدية بإقليم الأندلس، والذي شكل مفاجأة غير سارة للعديد من الإسبان والمهاجرين المقيمين بالأراضي الإسبانية، ولقد اعتبرها العديد من المحللين السياسيين والمثقفين الإسبان ناقوس خطر وجرس إنذار في نكوص التجربة الديمقراطية الإسبانية المتميزة، بسبب انبعاث رماد خطاب الأحزاب اليمينية الراديكالية.

أما في النمسا فقد تمكن اليمين المتطرف من الحصول على ثلاث وزارات سيادية في الحكومة الائتلافية: الدفاع والخارجية والداخلية، ولقد ارتكز اليمين المتطرف النمساوي في حملته الانتخابية على قضايا الهجرة واللجوء الإنساني والإسلاموفوبيا معتمدًا على (البروباجاندا) الإعلامية غير الموضوعية التي سوقت لهذا البرنامج.أما في إيطاليا فقد حقق حزب الرابطة اليميني المتطرف الذي يرأسه (ماتيو سالفيني) فوزًا ساحقًا في الانتخابات الإقليمية بإيطاليا، بجانب حليفته في روما حركة 5 نجوم التي تعتبر اليوم الحزب اليميني الأول في إيطاليا.
أما في فرنسا مهد الحقوق والحريات والمساواة والعدل في أوروبا، فإن زعيمة اليمين المتطرف (ماري لوبان) فقد كانت قد حققت تقدمًا نوعيًا وغير مسبوقًا في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الأخيرة ضد (إيمانويل ماكرون) والذي فاز بها هذا الأخير، خاصة وأن اليمين المتطرف في فرنسا حسب الإحصائيات الأخيرة أضحى أكثر قوة وتماسكًا بسبب فشل سياسات (ماكرون) الأخيرة، وما خروج واستمرار المظاهرات الأسبوعية (حركة السترات الصفراء) إلا دليل على فشل برنامج (ماكرون)، وبالتالي فإن الكثير من الفرنسيين ربما سيصوت في الانتخابات المقبلة لصالح اليمين المتطرف.وفي ألمانيا فإن اليمين المتطرف بدأ يجد له صدى قويًا بين أوساط الألمان، والذي يمثله حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني الراديكالي والذي يناهض اللاجئين، وأصبح منفتحًا على نحو متزايد في العمل مع جماعات يمينية أكثر تطرفًا مثل حركة (بيجيدا). إضافة إلى تنامي دور الحركات اليمينية المتطرفة في بريطانيا والدول الإسكندنافية.

فمذبحة نيوزيلندا الإرهابية هي مؤشر واضح على الخطاب المتنامي للكراهية والعنصرية وكراهية الإسلام التي تغذي نمو الجناح اليميني المتطرف في الغرب، ولتفادي الضرر الشديد الذي قد تلحقه تلك الحركات بالديمقراطية الغربية.. ينبغي على المنظومات السياسية على جانبي الأطلسي أن تبحث عن قنوات تمر عبرها الطموحات اليمينية الشعبوية التي تهدد السلم الاجتماعي والأمن العالمي، وللقيام بذلك تحتاج الحكومات لإفساح المجال للشكاوى التي تقودها هذه الموجة، بينما تقوم بإقناع الناخبين بأن الحلول البسيطة التي يقدمها الشعبويون المتطرفون مصيرها الفشل لأنها خارجة عن دائرة منطق التاريخ والواقع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد