ظاهرة الإسلاموفيبيا ...ونظرة الغرب نحوها !

في العقود الأخيرة تداولت الصحف والقنوات الفضائية، والمجتمعات الغربية بالتحديد، مصطلحًا يسعى لفتك المجتمعات الإسلامية في بلدان العالم، تحت مبررات تتنافى مع الأخلاق الإنسانية والديانات السماوية – مؤكدين حد قولهم أن الصورة النمطية للمسلمين أنهم كلهم فئة واحدة، ولا يختلف منهم واحد عن الآخر – حسب ما جاء في التقرير الصادر من المجلس الأوروبي فيما تضمنته النقطة الأولى من النقاط الست المذكورة، فيما تتوغل مفاهيم الحقد والكراهية والتمييز والعنصرية بين الشعوب الغربية جيلًا بعد جيل نحو المسلمين.

ولم تتوقف جغرافيًا هناك فحسب، بل انتشرت على القاراتي الأوروبية والآسيوية – في الدول التي لا تدين حكوماتها للإسلام بصلة – كتايلند، والصين، والهند، كل هذا تحت ذريعة أن المسلمين يشكلون حصارًا وتهديدًا لمجتمعاتهم حسب زعمهم، ولكي يتضح المفهوم جليًا للقارئ الكريم، فبحسب النحاة وعلماء النفس يُنظر الى مصطلح «الإسلاموفوبيا» على أنه حاصل جمع لمفردتي «الإسلام، وفوبيا»، وهو مصطلح ذو جذور إغريقية، ودلالته الخوف غير المبرر، ويترجم بـالرهاب، وهو حسب الطب النفسي المصطلح الخاص «بالإمراضية»، غير أن الأبعاد السياسية لمفهوم الإسلاموفوبيا بدأت تتبلور منذ أواخر السبعينات، وبداية الثمانينات من القرن الماضي حتى اليوم أثر بروز ظاهرة الإسلام السياسي، وبناءً عليه، فإن الإسلاموفوبيا: هي الخوف والتحامل، أو الكره المبالغ فيه نحو الإسلام، والشعور بأن المسلمين يشكلون تهديدًا وحصارًا على المجتمعات الأخرى.

وفي سياق هذا المفهوم يشير لنا التأريخ بعد تحول النظام الدولي الثنائية القطبية التي حملت بدورها مفهوم الصراع المتغلغل، فكانت الحرب الباردة، تلتها انهيار الشيوعية، وسقط سور برلين، في حينها توجهت الأسهم المليئة بثقافة الكُره العنصري والتحيز، والتمييز نحو الإسلام والمسلمين بدعوى الإسلاموفوبيا كتشكيل أيديولوجي جديد، افترضَ الغرب أن يحل محل الأيديولوجية الشيوعية في تهديده وعدائه لهم بصياغة مفاهيم الصراع نفسه، وإن كان الصراع بين الشرق والغرب يمتد عمره لأكثر من 13 قرنًا من الزمان، إلا أنه بعد سقوط الشيوعية التي كانت كابوسًا على الغرب ازداد تأججًا وإن تباينت أساليبه واختلفت أسلحته، فهو أطول وأعرق صراع ديني في التأريخ، وإن انحصر أحيانًا في إطارات سياسية، أو اجتماعية، أو اقتصادية.

وقد أكد المركز الأوروبي لمراقبة العنصرية وكراهية الأجانب في تقرير له صدر في ديسمبر (كانون الأول) عام 2006 بعنوان: «التمييز العنصري والخوف من الإسلام»  بأن هناك تمييزًا واضطهادًا تجاه المسلمين في أوروبا في مجالات العمل، والتعليم، والسكن، والمعاملة، في الواقع الاجتماعي، وتصف الدراسة أن التخوف من الإسلام يبدأ بتوجيه الإهانات الشفهية، ويصل إلى حد الاعتداء الجسدي، فضلًا عن الاعتداء على أماكن العبادة، والممتلكات، والقبور.

وبما أن الإسلاموفوبيا هي انتهاك لحقوق الإنسان وكرامته، ويشكل خطرًا ورعبًا على التماسك الاجتماعي، فإنه يتوجب من ذلك أن تكون هناك قيادة سياسة حازمة تدافع عن المساواة عن جميع الأوروبيين بصرف النظر عن خلفياتهم الثقافية والدينية، وأن تسعى جاهدة في تصحيح وتقديم المفهوم الثقافي الحضاري الذي يعبر عن الإسلام كعقيدة وشريعة، سعيًا لتجنب ويلات الصراع وشروره ضد المسلمين.

حيث تأججت نيران هذه الظاهرة، وفُتحت فوه البندقية في المجتمعات الغربية نحو المسلمين خلال العقود الثلاثة الماضية تزامنًا مع أحداث تفجير مبنى اف بي آي في أوكلاهوما التي نفذته الميليشيات الأمريكية عام 1995، تليه أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، والهجمات الإرهابية على كلٍ من مدريد عام 2004، ولندن عام 2005، حيث صعّد الخطاب الغربي حربًا ضد الإرهاب خلال أحداث 11 سبتمبر، وحاول الربط بين الإرهاب والإسلام والسعي لقرنه بالتطرف، لا سيما في نطاق التوظيف الأيديولوجي الغربي الممنهج.
وقد تزايد الاهتمام الغربي بدراسة تنامي الصعود السياسي للتيارات الإسلامية الحديثة، وقد ارتبط مفهوم الإسلاموفوبيا في الكتابات الغربية بمجموعة من المسلمات المسبقة والسلبية عن الإسلام والمسلمين، حتى تم توصيفه بعدة مسميات بالعدو الداخلي، الطابور الخامس، «حصان طراودة» وغيرها من المسميات الكيدية، ولم تقتصر هذه الظاهرة بالمسميات والشتائم فحسب، بل انتقلت هذه الظاهرة إلى واقع عملي مشاهد كحرق القرآن في أمريكا، ومنع الحجاب في فرنسا، ومنع النقاب في بلجيكا، ومنع المآذن في سويسرا، وإخراج فيلم يسيء للنبي صلى الله عليه وسلم، ليس إلا استفزازًا لمشاعر المسلمين.

والمشكلة الآن أن الغرب لا يدري أنه في خطر جديد؛ لأن القيم الغربية تتعرض من خلال الإسلاموفوبيا للانهيار؛ لأنها تقوم على تعدد الثقافات، فأخطر شيء بقي على الغرب الآن ليس الإسلام، بل الخطر في أن تقنع الجار أن جاره هو عدوه، وتقنع الطالب في المدرسة، أو الطالب في الجامعة، أن زميله هو عدوه، هنا يصبح هناك شرخ خطير.
هل تساءلنا يومًا ما عن الأسباب الرئيسة حول اختلاق وصناعة هذه الظاهرة؟ يمكننا التركيز على أهمها:

 1- الجهل بالإسلام: فالجهل أم المصائب والإنسان بطببيعة الحال عدو ما يجهل، والواقع إن هناك جهلًا صارخًا بحقيقة الإسلام، وبخاصة في العالم الغربي، الذي يستقي معلوماته عن الإسلام من مصادر قد تفتقر في كثير من الحالات إلى الموضوعية والنزاهة والتجرد، أو الإحاطة الكافية بحقيقة الإسلام وجوهره.
2- الخلط بين واقع المسلمين والدين الإسلامي بنفسه، وتبني صورة نمطية سلبية للمسلمين: إذ يتم تحميل الإسلام مسؤولية السلوك غير السوي الذي يصدر عن بعض المسلمين، وعكس صورة سيئة من قبل بعض الجماعات المتشددة التي تتبنى القتل والعنف والذبح باسم الإسلاميين؛ مما يصور للآخرين أن الإسلام بؤرة الإرهاب بذاته، وتأجيجها من قبل وسائل الإعلام المتطرفة والمنكلة بالإسلام والمسلمين.
3- تغطية الفشل السياسي لبعض الحكومات تجاه الرأي العام وتجاه شعوبها، كالمشاكل السياسية والاقتصادية والبطالة محملةً هذه الأعباء على المسلمين عند عدم القدرة على إيجاد الحلول المناسبة.
ومع كل هذه الحملات الإعلامية الشرسة ضد المسلمين ومضايقتهم ثمة سؤال يجول في خواطرنا: لماذا لم تظهر «المسيحوفوبيا»، أو «اليهودوفوبيا»، أو «الهندوفوبيا» مع أن تأريخ هذه الأديان فيه خروقات وانتهاكات ضد الإنسانية تجاه بعضها البعض وتجاه المسلمين بالخصوص، دعونا نسلط الضوء على بعض الأمثلة التي حصلت من قبلهم نحو المسلمين، وغيرهم ليس إلا على سبيل الحصر، حادثة هتلر اليهودي تعتبر جريمة لا تغتقر بحق البشرية، وما حصل قبل عامٍ واحد بحق المسلمين في نيوزلندا ليس ببعيد، ومما يزيد الجريمة بشاعة أنهم كانوا في مكان آمن يتعبدون الله، ليأتي مجرم مسيحي منزوع الإنسانية، فيقابل بالترحيب من أحد المصليين الذي هو من نبل أخلاق المسلمين فيكافئه بالقتل، ولم يتوقف السيناريو هنا فحسب، بل تجرأ المجرم فقتل الشيخ الكبير والطفل الصغير دون أي مراعاة لذاك المكان المقدس عند المسلمين، ومع ذلك لم يصطنع المسلمون مفهوم المسيحوفوبيا، وإنما ألقوا الجرم على فاعله فقط!

وما حصل مؤخرًا في الهند بحق المسلمين من إحراق المساجد والمحلات التجارية، وقتل العشرات وراء مؤامرة كيدية جُسدت بضوء أخضر عند زيارة الرئيس الأمريكي ترمب رئيس الوزاء الهندي، كل هذا نابع من مفهوم ظاهرة الإسلاموفبيا، ولكن المسلمين حال ما حصل بهم لم يختلقوا الهندوفوبيا كمفهوم خاص بالهندوس العنصريين.

فلماذا تزداد حدة النبرات التي تطالب بحقوق الإنسان وضمان حرية الأقليات، وعندما تنتهك حرمة الإسلام والمسلمين يختلف الوضع وتختلف النظرة، وتعلو الأصوات مؤكدة على حرية التعبير، واحترام الشأن الداخلي لكل دولة، فمن يجد إجابة منطقية فليخبرني فإن الدهشة قد بلغت مني مبلغ قريش إذ قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد