تحتوي حديقة وست وورلد على شخصيات مبرمجة تملكها شركة ديلوس الرّبحية، التي تعود لعالِم الذّكاء الاصطناعي روبرت فورد؛ تؤمّن هذه الإبداعات البشرية «والتي تسمى بالمضيفين» مناخًا متنوعًا للزائرين «الضيوف» لتحقيق رغباتهم، سواء أكانت سامية أم منحطة، ولا يملك المضيفون أي سيطرة على عالمهم الذي ينتمون إليه، ويفتقرون لأدنى إدراكٍ على ما هم عليه، غير أنّ أنواعًا مختلفة من التمرد حدثت بفعل ذكريات متقطّعة تعود بين الفينة والأخرى إلى وعي المضيفين، ليأتي الاختراق الأساسي في الموسم الأول من السلسلة حين تسحب الفتاة المسالمة دولوريس أبرناثي الزناد من وراء رأس فورد؛ من المفارقة أن يتناسب فعل دولوريس مع فلسفة فرانتز فانون الذي آمن بأن التحرر من الاستعمار يبدو مستحيلًا دون عنف.

المضيفون في عالم وست وورلد شركاء غير واعين في الروايات التي تربطهم بطرق شتى بالبشر، جرت برمجتهم على عدم إلحاق الأذى بالضيوف؛ لقد ظنّ فانون أنّ شيئًا مماثلًا حدث في عملية استعمار الكاريبي، الشرق الأوسط وأفريقيا، يقول فانون: «الرجل الأبيض يخلق الزّنجي»، وأنّ المستعمِر مسؤول عن استدامة النقائص الاقتصادية والقيود السياسية، وأنه «حين ينظر إلى أوروبا، إلى طُرزها وتقنياتها، فإنه لا يشاهد إلا تعاقب أجيال من الرجال وسلسلة متتالية من جرائم القتل، وبرجوازية تعلن المساواة بين الناس في حين لا تتوانى عن ارتكاب الجرائم في كل مكان»؛ لا عجب من أن الطبيب النفساني كان ثائرًا على نظريات «العقل الجزائري» لـ«جون رويدي» و«أنتوان بورو»، أين صُنّف الجزائري والأفريقي «الآخر» للأوروبي المتكامل، هذا الجزائري جبْري (يؤمن بالقضاء والقدر) يُذكّر بكتلة من الناس البدائية والساذجة؛ لقد ثار فانون على محاولات التنميط هذه، تمامًا مثلما ثارت دولوريس على صانعها.

عندما يستفيق المضيفون من صدمتهم، يخلقون جوًّا من التعاطف الرهيب، وحتى إن أعمال العنف واسعة النطاق التي يُوقعونها على البشر تصبح مبررة أخلاقيًّا؛ هم في النهاية يكتشفون وعيهم الذي يقودهم إلى الهروب من السجن؛ «منظّر العنف» المارتنيكي فانون يوافق على هذا السيناريو بالكامل؛ غير أن الوصف الأنسب والأكثر تهذيبًا هو أن يوصف فانون بـ«القارئ الثوري لـ هيجل»؛ هذا الأخير رأى أن رغبة الإنسان في نيل الحظوة والتقدير قد زجّت به عبر التاريخ في معركة دموية من أجل الاعتراف والمنزلة، غير أن العلاقة بين السيد والعبد في فيمنولوجية الروح لـهيجل لا تحمل بالضرورة توصيفًا دقيقًا لما رمى إليه فانون؛ فالعبد يمكن تحريره، خاصة إذا جرى تطوير وعيه، وهو ما يتعذّر عمله مع جلد الإنسان الأسود؛ في جميع الحالات لا يمكن للمستعمِر أن يكون إنسانًا لأن هيمنته تجردّه من إنسانيته، لذلك تتطلب الحرية خلق عالم جديد، وهو أمر غير ممكن الحدوث دون عنف، يعتقد فانون.

بالنسبة لـفانون، المستعمِر هو صانع قصص التاريخ، الرجل الأبيض هو بطلها الرئيسي، ولا يعدو المستعمَر أن يكون شخصية خلفية دون قصة خاصة به؛ يشبه هذا إلى حدّ كبير حال المضيفين الذين يضطرون لأداء أدوار داعمة لروايات الآخرين؛ لقد جادل فانون بأن العنف أستاذٌ لـ«الحقائق الاجتماعية» يسمح للمستعمَر بأن يصبح صانعًا للتاريخ، وليس متلقيًا له فقط، لا سيما إذا كان (العنف) منظّمًا وجماعيًّا؛ إنه يهدف إلى خلق هوية جديدة للمتمردين، وبإمكانه أن يخترق جلد المستعمِر الأبيض علامة الاختلاف والتفوق؛ ستظهر إذن حقيقة اجتماعية جديدة: المستعمِر هو أيضًا عرضة للموت، والمستعمَر قادرٌ بدوره على العنف؛ سيكتشف المواطن أن حياته، أنفاسه، قلبه النابض مثله مثل المستوطن؛ العنف سينهي حتمًا الوضع الاستعماري، ويفتح المجال للنزعة الإنسانية التي يتعرف فيها الطرفان بعضهما إلى بعض بوصفهما كائنات حرة.

إن هويات المضيفين في حديقة وست وورلد هي مثل شعب فانون المستعمَر، يحدّدهُ أشخاصٌ آخرون، ويختارون لهم من هم وماذا يفعلون، لذلك يبدو عنف المضيف ضد البشر عنفًا أخلاقيًّا، بل إنّ انتعاش إنسانية البشر يتطلب مثل هذا العنف، فإنهاء الاستعمار هو دائمًا «ظاهرة عنيفة» في رأي فانون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد