كثر الحديث مؤخرًا عن إمكانية تحالف «حزب الأصالة والمعاصرة» مع «حزب العدالة والتنمية»، بل أصبح يطرح التساؤل بخصوص ذلك بشكل ملفت للنظر بعدما انتخب عبد اللطيف وهبي أمينًا عامًا لحزب الأصالة والمعاصرة، لا سيما أنه أكد قبل وبعد المؤتمر عن عدم وجود أي خطوط حمراء ولا صفراء، مشيرًا للخط الأحمر الذي رسم سابقًا، وكان سببًا لعدم تحالف الحزبين لتشكيل الحكومة.

من الناحية السياسية وتطبيقًا لمبدأ المصالح المتعامل به في الحقل السياسي عموما، فإن تحالف الحزبين أمر مستساغ ولا إشكال فيه، لكن الظروف التي صاحبت تأسيس «حزب الأصالة والمعاصرة»، والصراع الذي ختم به العلاقة بينه وبين «حزب العدالة والتنمية»، جعلت أمر التحالف مستبعدًا، أو قل مستحيل، إن صدقنا الخطاب الذي أدلي به من الطرفين.

لكن هناك من الأطراف التي تعتقد أن «تحالف العدالة والتنمية» مع «حزب الأصالة والمعاصرة» على مستوى جهة «طنجة تطوان الحسيمة» مهد الطريق للتحالف على المستوى الوطني، لا سيما بعدما تبين لـ«حزب العدالة والتنمية» تحقق المصلحة العامة من هذا التحالف حسب تعبير قادة الحزب، الشيء الذي سيجعل التحالف على المستوى الوطني أمرًا واردًا ونتيجة لنفس التبرير المقدم على المستوى الجهوي المتمثل في تحقق المصلحة العامة والعليا للبلاد.

وعليه فإن الدفع في الاتجاه المناصر لإمكانية التحالف بين الغريمين خلال الفترة المقبلة من الانتخابات، وذلك بإثارته بشكل مكثف والتسويق له بين الفينة والأخرى من طرف بعض الشخصيات السياسية أو الإعلامية، يجعلنا نتساءل عن جدوى ذلك، بل ما المصلحة التي ستحقق لصالح البلاد إن هما تحالفا؟ خصوصًا أننا نعلم بوجود اختلاف جوهري بين التنظيمين على المستوى الفكري، فكل واحد منهما يصف الآخر بأقبح الأوصاف (حزب الظلاميين، الرجعيين، حزب البؤس، المفسدين، وغيرها من المصطلحات المستعملة والمعلومة عند القاصي والداني)؛ ما يعني استبعاد الالتقاء وبالأحرى التحالف.

كل هذا يجعلنا نفترض أمرين يراد تحقيقهما:

الأول؛ يقضي بتخفيف الصراع بين الحزبين حتى لا يرسخ نظام الحزبين في الوضع السياسي المغربي؛ لأنه يعطي لـ«حزب العدالة والتنمية» الصدارة كلما اشتد الصراع وتبين أن سبب مواجهته مرتبط بالمرجعية التي ينهل منها، عكس الحزب الآخر الذي يأخذ بالعلمانية المرفوضة عند عموم الشعب.

والثاني يقضي بتمييع المشهد السياسي أكثر مما هو عليه، لإثبات أن ممارسة الفعل السياسي لا يختلف وضعها عند التيارات الإسلامية كما كان متوهمًا من قبل مشاركتهم في صناعة القرار. وعلى الجملة فإن المقاربة التي يؤخذ بها في التعامل مع الوضع السياسي المغربي، ذلك بتحويل وتوجيه النقاش وكيفية صناعة الأقطاب وأطراف المعارضة، تجعل المشاركة السياسية ضعيفة جدًا لاعتقاد الجميع أن نظام التفاهة مسيطر على جل المنظمات السياسية، بل تحكم قادة الأحزاب السياسية لما يعرفونه من اضطرابات في مواقفهم السياسية وعدم وضوح الرؤية عندهم؛ الأمر الذي يجعل تحقيق التنمية صعب المنال.

في هذا الجو المتسم بتوجيه النقاش إلى أمور لا تعدو أن تكون سببًا في صناعة التفاهة وسلب الثقة من المنظمات السياسية، أو قل فقدان الأمل فيها، يطرح سؤال في غاية الأهمية بخصوص التحالفات الممكن تشكيلها، لا سيما أن النقاش الدائر عبر المواقع الإخبارية وغيرها، يغفل حزبًا سياسيًا قويًا لا يقل أهمية عن الحزبين المذكورين، وهو «حزب الاستقلال» ذو المرجعية الإسلامية.

إن التغافل المشار إليه، لا يمكن اعتباره محظ صدفة، ذلك أن المنطق السليم في العمل السياسي يقتضي بناء تحالفات على المستوى الفكري أولًا، والسياسي ثانيًا؛ ما يعني أن «حزب العدالة والتنمية» و«حزب الاستقلال» أقرب الأحزاب إلى عقد تحالف على المدى البعيد بالأحرى القصير، أو قل إن الحزبين المذكورين لا يختلفان عن بعضهما إلا في الشيء القليل.

وبهذه المناسبة لابد من الإدلاء برأي حان وقته، أو قل وجب تسجيله، لفتح نقاش جاد بعيدًا عن المزايدات السياسية والتافهة، مفاده أن هناك جهات لا تقبل فكرة التحالف بين الحزبين المحافظين، بل حتى مناقشته، ذلك أن هذا التحالف سليم ومنطقي ويستحق الاهتمام، لما سيشكله من إثراء الساحة السياسية المغربية، وإعادة الأمل من جديد، ذلك أن قوة حزب العدالة والتنمية الشعبية وحيويته إن اقترنت بخبرة وحكمة حزب الاستقلال، يستعصي على أي طرف آخر مقاومته أو التغلب عليه؛ ما يعني القدرة على إنتاج سياسة تستجيب لمطالب الشعب، وتأخذ بمقاربة شمولية، يصعب خلالها الوقوع في أخطاء جسيمة كالتي ارتكبتها حكومة بن كيران والعثماني، سواء في الفترة التي عرفت انسحاب «حزب الاستقلال» من الحكومة أو الفترة التي منع من المشاركة فيها.

وعلى الجملة فإن الاستحقاقات القادمة تفرض علينا جميعًا الانخراط بقوة لمحاصرة العبث الحاصل في الساحة السياسية، حتى لا نكون من ضمن المشاركين فيه؛ لأن الصمت والاكتفاء بالتفرج فعل من الأفعال السلبية، وليس نوعًا من الحياد كما يعتقد الكثير.

لذا فإن الواجب علينا عمومًا هو توجيه النقاش إلى عقد تحالفات واضحة المعالم بعيدًا عن المصالح الضيقة لشخصيات نافذة، بل وجب التأكيد على أن الاصطفاف استنادًا على المرجعية والفكرانيات أمر محمود، ويساعد على خلق تنافس على البرامج والرؤى، عكس ما يتوهمه البعض، لا سيما أن الحضارة تصنع بناء على معتقدات، لا يهم جانب الصواب فيها بقدر ما يهم قوة الإيمان بها من طرف المواطن.

إن الأحزاب السياسية المغربية واستمرارها في خلق تحالفات هجينة، لا تستجيب لأي منطق سياسي سوى التوافق على توزيع المناصب، لن يحدث أي تغيير إلا في الاتجاه السلبي.

لذا أصبح من اللازم على قادة الحزبين المحافظين فتح النقاش والحوار؛ لأن اللحظة تستوجب تجاوز كل الخلافات المتوهمة لتحقيق المصلحة العليا للبلاد، لا سيما أن «حزب العدالة والتنمية» بدا له من الأمور ما لم يكن يدركها قبل سنوات.

وأما الانسياق مع التيار القائل بعقد تحالفات بعيدًا عن التوجهات الفكرية إن هو إلا تكريس للعبث، واستمرار في فقدان الثقة والأمل.

اللهم ارزقنا المنطق السياسي السليم والعمل به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد