تعاقبت التقارير التي تحدثت عن شعبية الأسد المنخفضة، والتي يصفها الشعب السوري بالمعدومة في الأصل، سوى من أتباعه وأزلامه المستفيدين وشبيحته، وتوالت الانتقادات التي تخص الأسد وعائلته وهيمنتهم على كل شيء في سوريا للعلن، وذلك من قبل أكبر داعميه وهم الروس، حيث شهدنا خلال السنتين الماضيتين تزاحم في عقد الاتفاقيات بشكل ملحوظ بين الأسد وحكومته من جهة والداعمين له من جهة أخرى، وقد تضمنت تلك الاتفاقيات بيع الثروات السورية من نفط وغاز وموانئ ومشروعات تجارية وأراض زراعية، وكأنها بمثابة تنازل كامل عن عوائد تلك الثروات.

وكأن حال التفاهمات الدولية المتلاحقة المتعقلة بالملف السوري، والتي تتم بين اللاعبين الدوليين على الأرض السورية تقول إن الفائدة من رأس النظام قد شارفت على الانتهاء، بعد أن بات كل شيء مرهونًا للأجنبي.

وفي حين استخدام النظام السوري وداعميه للقوة المفرطة وسياسة الأرض المحروقة لثني معارضيه وإخراجهم من المواقع التي كانوا يسيطرون عليها نحو الشمال السوري، يتضح حجم الدمار والخراب الذي لحق بالمحافظات والقرى السورية بشكل عام، وقد أفادت بعض التقارير أن في سوريا قرى وأجزاء من المحافظات السورية سوِّيت بالأرض بشكل كامل وكانت من بين تلك المحافظات التي عانت من الضرر الكبير في ظل حكم عائلة الأسد وحربهم من أجل السلطة محافظة حلب.

فالتاريخ قدر نشوء محافظة حلب منذ 10 آلاف عام قبل الميلاد، واعتبرها مهدًا للحضارات فقد مرت عليها أمم مختلفة كالآرامية والآشورية والهيلينية والرومانية والفارسية والبيزنطية والإسلامية، وكانت تتميز بالعديد من الصناعات، كصناعة النسيج والأقمشة والصابون والزيوت والمواد الغذائية، ناهيك عن قطاع الزراعة كزراعة الزيتون والفستق الحلبي وغيرهما، واشتهرت مدينة حلب بمعالمها التاريخية، كقلعة حلب التي شيِّدت في الألفية الأولى قبل الميلاد ويوجد فيها العديد من الأماكن المقدسة كالجوامع والكنائس، والعديد من الخانات والأسواق، والأبواب ذات الأهمية التاريخية.

وتعد محافظة حلب قبل الثورة المحافظة الأكبر من حيث التعداد السكاني حيث يقدر عدد سكانها بأكثر من 5 مليون نسمة، وتشكل 15% من مساحة سوريا، وكانت مساهمتها بنسبة 24% في الناتج المحلي ككل، و13% من الناتج الزراعي و33% من الناتج الصناعي، وإن 50% من صناعة سوريا تكاد تكون في حلب، و17% من مجمل التجارة كانت في حلب حيث كانت تساهم بما يقارب 50% من الصادرات الخارجية وكانت تشكل أيضًا 9% من الناتج السياحي، وكانت تعرف محافظة حلب على أنها العاصمة الاقتصادية لسوريا.

أما خلال الثورة السورية فقد كنيت جامعتها بجامعة الثورة؛ لما شهدته من حراك ثوري من قبل طلابها، لتنال بعدها محافظة حلب النصيب الأكبر من البطش والتدمير بعد تحول الثورة السورية لثورة مسلحة، ومن ثم حرب لتصفية الحسابات الدولية، حيث تحولت حلب إلى مدينة منكوبة وأشبه بثكنة عسكرية، ومجمع للمليشيات والعصابات التي تعيش على السلب والنهب وفرض الإتاوات على المواطنين العزل، وبعد ثماني سنوات من الثورة السورية سيطرت المليشيات الطائفية على الأحياء الشرقية لمدينة حلب، والتي كانت بيد المعارضة السورية، وقد عملت تلك المليشيات على التغيير الديمغرافي بشكل ممنهج، وبحماية القانون 10 الذي ينص بمضمونه على شرعنة مصادرة أملاك المعارضين أو المغتربين غير القادرين على العودة، وكان ذلك يحدث من خلال استيلاء تلك عناصر المليشيات على العقارات التي خرج أصحابها الأصليون منها، وخاصة الذين خرجوا نحو الشمال السوري خوفًا من إعدامات ميدانية قد يقوم بها النظام السوري إن بقوا فيها بعد سيطرته على تلك المناطق، أو خوفًا من أن يتم تجنيدهم وإرسالهم إلى الجبهات.

ونتيجة لما خلفته الآلة العسكرية الظالمة التابعة للنظام السوري وداعميه، نكون أمام واقع مرير في شتى بقاع الأرض السورية، ففي حلب فقط يوجد أكثر من 400 ألف مشرد، وأكثر من نصف مليون سوري بحاجة للدعم النفسي لما لاقوه من هول بطش النظام، وبالأرقام قدرت الخسائر المادية في حلب بأكثر من 104 مليار دولار نتيجة لتضررها، ولما شهدته من دمار في بناها التحتية وخراب في مصانعها والأراضي الزراعية التابعة لها، وبحسب تقارير يشكل حجم الدمار في محافظة حلب ما نسبته 40% من الدمار الكلي لسوريا، حيث أصبحت المدينة الأكثر خطورة في العالم بحسب تقارير أممية.

وإن بلدًا مثل سوريا تملك كل المقومات الاقتصادية الأساسية، وموقع جغرافي مهم، كان لا بد ألا تنأى بنفسها عن الأطماع الاستعمارية، ليكون مقدرًا عليها أن تتحول ثورتها الشعبية لحرب يتم فيها تدمير البلاد وإنهاك العباد لتسهيل عملية السيطرة على ما تملكه من ثروات ضخمة، من نفط وغاز وفوسفات ومركز تجاري مهم جدًّا مطل على البحر المتوسط، وإذا ما سقط الأسد وعاد المهجرون إلى قراهم ومدنهم، يمكن أن نقول إنهم لا يحتاجون سوى لنصف عدل ليجعلوا من سوريا قوة إقليمية لا يستهان بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأسد, حلب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد