عذاب أم رفاهية؟ 

تستنفد طاقتك يوميًا بمشاغل الحياة، من مشاكل، وعلاقات حب فاشلة، وطردك من عملك، ثم ترى النجوم في السماء؛ لتعلن أن وقت الراحة قد أتى، إنه وقت النوم! ولكنك تفاجأ بعالم آخر مماثل لعالمك، ولكن ما أكثر الاختلافات!

تفتح عينيك لتجد نفسك استيقظت في غرفه نومك أو في العمل أو في فرنسا، إن لم يكن في الفضاء الخارجي، إنك تبدو أوسم، وأكثر جرأة، والنساء أو الرجال معجبون بك، تلك المناظرة مرت عليك من قبل، ولكنك أبهرت الجميع، بدلًا عن الفشل الذريع، تشرب الخمر بحرية، دون رقابة دينية، بل تمارس الجنس كيفما تشاء، أنجبت بالرغم من كونك عاقرًا! وفي لمح من البصر يختفى كل شيء، وتجد نفسك كما كنت، فاشلًا في علاقاتك، لا يمكنك الإنجاب، ضقت ذرعًا بالسلطة الدينية! أكل ذلك كان وهمًا! تريد العودة لهناك مرة أخرى، مهما كان الثمن! تفنى حياتك في الوهم!

يذكر الناس أمثلة عديدة لعذاب الخالق، ولكن لم يذكر أحدهم من قبل أن الحلم واحد منهم! لماذا يريك نسختك المثالية؛ فتشعر بالسعادة في أرجاء جسدك؟ فلقد حققت هدفك بالفعل، بل تعتقد أنك خالد! ولكن يقول لك ها أنت ذا عبد ضعيف، فلقد كان من الممكن أن تكون مثله، ولكني أفضل لك تلك الحالة، فقم واشق؛ لتعود ليلًا وتغرق في وهم الخلاص، ولكني أنتظرك! وقد أمن عليك بفكرة أو اثنتين، كفرويد؛ ليكتب كتابه تفسير الأحلام، أو كديكارت؛ فأعطيك سلسلة من الرؤى لتبدأ حياتك من جديد، أو كإبراهام لينكولن؛ فأمرر لك نصيحة أو ما شابه قبيل قرارات الحرب المصيرية، وإن لم تكن من الله، فهل فقد عقلك الأمل فيك، وقرر تحفيزك بعض الشيء! لكن دعنا بالرغم من ذلك نعرف نبذة مختصرة عن ما هو الحلم، فكما يقول فرويد: الأحلام هي الطريق الملكي للاوعي!

ما هي الأحلام؟

قضى الإنسان الكثير من الوقت وهو يحلم، لذلك كان من الضروري له أن يعرف ما هي تلك الحياة التي ينتقل فيها من الواقع للوهم، فجاء الدين والفلاسفة ورجال العلم، كلٌ محمل بأجوبة واجتهادات لإشباع تلك الرغبة في المعرفة.

فكان فرويد أول من حاول تفسير وربط الحلم بعلم النفس، وارتباطه بالواقع في كتابه: تفسير الأحلام، الذي صدر عام 1990، فببساطة تتجول في ذهن الإنسان ملايين الأفكار، ولكن تسمح له ضوابط المجتمع الأخلاقية، وعاداته بتحقيق القليل منها، فاللاوعي هو الإنسان البدائي بصفاته وغرائزه، والأنا هي الرادع المتربص به، فيأتي الوعي ليعدل بين الاثنين، ولكن أي عدل يتحكم فيه المجتمع، ولذلك أثناء النوم يجد الجسد العالم المثالي لتلبيه تلك الأفكار، وتحويلها إلى صور مرئية، فمن اشتهى الحلوى وجد نفسه يأكل منها، ومن شعر بالظمأ وجد الأنهار تفيض أمامه، فقسم فرويد محتوى الحلم لاثنين، المحتوى الظاهر والمحتوى المبطن، فالأول يتمثل في العناصر البصرية التي تشكل هيكل الحلم؛ فتهدف لترجمة المشاعر التي لا يمكن تجسيدها، أما الثاني فيتكون من الدلائل العميقة من اللاوعي.

وجد فرويد أن في معظم الأحوال، أصل النوعين السابقين هي الرغبة الجنسية الدفينة، حيث تتعدد الرموز، ولكنها جميعًا تدل على أمر جنسي معين، فكل ما هو مستطيل ومدبب يرمز للقضيب، وكل ما هو دائري ومجوف رمز للمهبل، أي يمكن القول إن فرويد وجد الحلم هو إشباع وهمي للرغبة الجنسية الدفينة، فتحمى الجسد من تلك الرغبة أثناء يومه.

جاء تلميذ فرويد لمدة خمس سنوات كارل يونغ الذي انفصل عنه بإنشاء مدرسة مستقلة، حيث يعطى للحلم أهمية كبرى، فيرى أن الأحلام ليست مجرد انعكاس سلبى للرغبات، بخلاف فرويد، فهي وظيفة مستقلة مكملة للوعي، بديلًا عن الرغبات، فتعكس شخصياتنا وقت اليقظة؛ للتفكر في مشاكلنا، ومحاوله حلها، وحل صراعتها، كتعبير عن القدرة الذاتية على التعديل.

ويأتي هوبسون ومكارلي عام 1973؛ ليجدوا أن الحلم ما هو إلا مجرد إشارات عصبية غير منتظمة داخل المخ، فيؤدى إلى عرض بعض المواقف والصور الموجودة في الذاكرة بصورة عشوائية، فلا يقتنع العقل بتلك العشوائية، فينسجها في قصة منظمة منطقية.

أما الفارابي وابن سينا فقد قالوا بالرمزية في الأحلام، فكل ما نراه هناك يرمز إلى أشياء أخرى مختلفة، وقد أشار ابن سينا إلى أهمية الأحلام في إشباع الرغبات.

أما التفسير، فأشدهم غرابة، تكلفت به الصوفية؛ حيث تنص على أنه أثناء الحلم تنفصل الروح عن الجسد وتحلق بعيدًا، فكل ما تراه في الحلم هو عوالم وأزمنة أخرى.

ويرى البعض أن الأحلام هي أحد الوسائل التي يستخدمها الجسم للاستيقاظ، فهي تنتج عن آلام نفسية ترتبط بالعاطفة والطموح، فيسمى الحلم: انبعاث احتباطى استيقاظي.

وعندما ينام الشخص تنقطع عنه المؤثرات الخارجية، ولكن ليست بصورة كلية، حيث ينخفض عمل الجهاز العصبي بصورة كبيرة، ولكن يستمر العقل بالتفكير المجرد كالتصور والإدراك، فيرى الإنسان ما تصوره نفسه الحقيقية دون تدخل، فما يراه هو انعكاس لداخله.

ويأتي العلم أخيرًا؛ ليجد أن الأحلام هي نشاط فسيولوجي دوري يحدث بانتظام تام في إحدى مراحل النوم الخمسة، والتي تتكرر عده مرات أثناء الفترة الإجمالية للنوم، وهي مرحلة حركة العين السريعة، وتشكل هذه الفترة الثلث الأخير من دورة النوم.

أنواع الأحلام

  • الحلم الواضح المنظم: والعقل الواعي هو الذي يضعه في صورة منطقية منظمة.
  • الأحلام المكررة: وهي تعبير عن مشكله لم تحل، أو نمط تفكير أو سلوك يتناقض مع الواقع، أو مجموعة القواعد التي تحدد لكل فرد ما ينبغي أن يكون عليه موقفه واتجاهه وسلوكه في مواجهة غيره من الأشياء والظواهر والناس، يكتسبها من انتمائه إلى مجتمع معين.
  • أحلام المخاوف: وهي تعبير عن المشكلة الحادة، أي الفرق الكبير بين واقع وغاية، والتناقض العميق، والصراع القوي بينهما.
  • أحلام التعويض (تحقيق الرغبة): وهي تعبير سلبي عن مشكلة: أي شعور الذات بعدم الاكتفاء في اليقظة ونزوعها إلى الاكتفاء في الحلم.
  • أحلام التنبؤ: وهي استقدام المستقبل بالمخيلة.
  • الأحلام الاسترجاعية: وهي استرجاع الماضي بالذاكرة.
  • أحلام التخاطر: أي اتصال عقل بآخر من غير طريق الحواس الخمس والتخاطر ضرب من قراءة الأفكار، وشكل من أشكال الإدراك وراء الحسي.
  • الكوابيس: وهي الأحلام التي تحدث في مرحلة حركة العين غير السريعة، وتشكل 15% من الفترة الإجمالية للنوم، وتعتبر فترة النوم العميق الذي يصعب الاستيقاظ منه.

مثيرات الأحلام

يتراكم عن اليقظة مخلفات من شعور وأفكار، وهي التي تنسج الحلم، فقد تعيد كتابة نهاية الكتاب الذي كنت تقرأه قبل النوم، ولم تعجبك أو تصبح بطل فيلمك المفضل الذي شاهدته أمس، فيمكن تقسيم المثيرات إلى مثيرات بدنية – عاطفية خارجية وداخلية، فالمثيرات البدنية الخارجية قد تكون صوت أخيك بجانبك أو طرق على الباب أو شجار في الحي، والبدنية الداخلية، فقد يسببها ألم في جسمك أو شعورك بالجوع، أما العاطفية الخارجية، فقد تكون أي شيء يثير لديك مشاعر مدفونة من الحب أو الغضب، كصراخ أحدهم، أو تهشم الزجاج، أو صوت العاصفة بالخارج، والعاطفية الداخلية هي المشاعر اللا واعية من فرح وحزن وإحباط أو رغبة جنسية قد تأثرت بها قبيل النوم.

في النهاية قد يخبرك الحلم ماذا تفعل أو يريك ماذا فعلت، قد يغير منك أو لا تتذكره من الأساس، ولكن المؤكد أنه عالمك الخاص الذي تذهب فيه إلى ما وراء الزمان والمكان، فقد تفتح عينيك بطلًا أو .. أي شيء!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد