مع اشتعال التظاهرات في العراق للمطالبة بالحقوق الأساسية للحياة الكريمة، وكجزء من الموجة المضادة للتظاهرات (المتوقعة) التي شنت من قبل المستفيدين من خراب البلد، ظهر فيديو لمعمم غير عراقي على قناة فدك، من لندن، وهو يحاول أن يعلق وينتقد المظاهرات والمتظاهرين بنفسٍ طائفيٍ غير مفهوم. مختصر حديثه كان: يا من تتظاهرون! لماذا لا تطالبون بتعديل مناهج الدراسية الإسلامية التي تذكر أسماء بعض الصحابة لأجل فاطمة الزهراء، تثورون لأجل الماء والكهرباء بدلًا عن أهل البيت، ماذا عن فاطمة؟ أليست أهم؟ لا نصركم الله، ثم يُتبع بوابلٍ من السباب والشتائم على المتظاهرين باسلوبٍ مستفزٍ لا داعي له و لا معنى منه[1].

عندما يواجه الإنسان أسلوبًا كهذا في الحوار، ورغم سفاهته وضعف منطقه، إلا أنه يواجه مشكلةً في إعطاء جوابٍ سريعٍ شافٍ، إذ إن المقابل قد حول الحوار إلى فوضى عارمةٍ حشر فيها عناوين حساسةً لا دخل لها بالموضوع بشكلٍ لا يطاق، وتتبادر للذهن من جهةٍ أخرى مجموعةٌ من التساؤلات: لماذا يخلط أحدهم الموضوعات هكذا من الأساس؟

كحال النشاطات الإنسانية الأخرى، كالألعاب، أو التكليفات الوظيفية مثلًا، يعتبر الغش في التواصل والنقاش خيارًا متوفرًا لمن ينحدر في مستواه مضطرًا لاستخدامه، بل إن الغش في الحديث يعتبر بحرًا من الطرق والحيل التي يلجأ إليها مختلف طبقات المجتمع عادة، والتي قد لا يشخصها العامة إلا ما ندر. نسرد في هذا المقال المختصر حيلة المنديل الأحمر، إحدى الحيل الواسعة الاستخدام بين الإعلاميين والسياسيين والخطباء، كاشفين تفاصيل عملها وأهداف استعمالها ومعطين بعض الأمثلة الواقعية عنها.

إعلامي ينتقد سياسيًا من المكون 1. ماذا عن فساد الساسة من المكونات 2 و3؟
الخليج يدعم الإرهاب. ماذا عن إرهاب سوريا وإيران؟
إيران تقطع المياه. لماذا لا تذكر سدود تركيا؟

تعتبر (ماذا عن) أو المنديل الأحمر بالعربية، أو Whataboutism بالإنجليزية: مغالطة منطقية، المنطق فيها لا يكون سليمًا أو معقولًا، يستخدمها من يتعرض لموقفٍ محرجٍ قد يودي به لخسارة نقاشٍ أو سمعة، للهروب والابتعاد عن العنوان الرئيس قدر المستطاع، يعتمد فيها مستخدمها على التشكيك والطعن في اهتمامات وتفضيلات وأولويات الطرف الآخر؛ مما يمّكن مستخدمها من جر خصمه لجدالاتٍ لا معنى لها بهدف جعل النقاش فوضويًا قدر الإمكان؛ ما يعطيه فرصةً ليس في الهرب حسب، بل حتى الانتصار في النقاش[2].

يعطي السياسيون مثالًا شافيًا في اتباع هذه الطريقة، إذ لا نكاد نذكر أحدهم إلا ونكتشف له عشرات المناسبات من استخدامها، يأتي بعدهم الإعلاميون ورجال الدين المنحازون، أو المدفوعو الثمن. من الأمثلة الشهيرة في استخدام المنديل الأحمر: حينما حاولت الصحافة إحراج الرئيس الامريكي دونالد ترامب، حول الأخطاء التي ارتكبها، والمخالفات أثناء حملته الانتخابية وبعد توليه المنصب، رد بقوله: ماذا عن أخطاء أوباما، ومخالفات كلينتون[3]؛ وفي المقابل نجدها حاضرةً كذلك عند الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عندما سأله الصحافيون عن تدخلات بلاده بالانتخابات الامريكي، رد قائلًا: ضع يدك على أي نقطةٍ على الخريطة، وستجد فيها بلدًا يشتكي من تدخلات أمريكا في انتخاباته، ماذا عنها؟[4]؛ يظهر المنديل الأحمر ملوحًا أيضًا به من قبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حين أحرجته الصحافة حول انتهاكاته لحقوق الإنسان برده: لماذا لا تسألوني عن التعليم الجيد، أو العلاج الجيد، لماذا لا تسألوني عن حق التوظيف، أو الوعي الحقيقي…؟[5]

يعتبر المختصون في اللغة استراتيجية المنديل الأحمر نوعًا من التصرفات عديمة التأدب في الحوار، ولا يؤخذ صاحبها على محمل الجد والاحترام بعد استخدامه لها.

يذكر المختصون أن النقاش الناجح بين طرفين، يجب أن يلتزم بقواعد أساسية أهمها أربع هي:

1. مبدأ الكيف: أي أن يلتزم الطرفان بمصداقية وواقعية الكلام، وأن يكون عقلانيًا ولا يخرج عن حدود المنطق.
2. مبدأ الكم: أن تتناسب كمية الكلام مع أهمية الموضوع، وذلك حسب الحاجة للكلام الزائد عنه لتوضيحه لا أكثر.
3. مبدأ التناسب: أن يكون الكلام متعلقًا بعنوان النقاش، ولا يجب حرف العنوان، أو تغييره بغية التهرب قبل الانتهاء منه.
4. مبدأ الطريقة: أن يكون الكلام واضحًا ومباشرًا بحيث لا يترك مجالًا واسعًا للتأويل وسوء الفهم.
يعتبر الإخلال بإحدى المبادئ سالفة الذكر إفشالًا متعمدًا للنقاش[6].

تتلخص طريقة عمل المنديل الأحمر أو (ماذا عن)، بقيام الطرف المستخدم لها بالإخلال بالمبدأ الثالث (مبدأ التناسب)؛ إذ يقوم بخرق المبدأ وتغيير عنوان الحديث، باتهام الخصم بأنه يركز على جهة معينة، مع تهم أخرى جاهزة معها، كالنفاق، والعنصرية، والطائفية، وحتى الكفر والفسوق، واضعًا مطلبًا تعجيزيًا في الحديث عن كل شيء دفعة واحدة.

تعمل استراتيجية المنديل الأحمر عمل السحر في إسكات الخصم وإنقاذ مستخدمها من الإحراج والخسارة في النقاش، لكنها في نهاية ما تبرح أن تتحول إلى أسلوبٍ يهين بها مستخدموها أنفسهم حين يكون الطرف الآخر مدركًا لها. على كل حال فإن المنطق السليم هو أنفع الطرق لنيل الاحترام الشخصي والدفاع عن وجهات النظر، فالمبادئ والأفكار التي تنتصر بالتحايل والمراوغة لا تستحق الاعتناق[7].

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

2. قاموس اوكسفورد. Whataboutism
المنديل الاحمر، ترامب مثالاً
المنديل الاحمر، بوتين مثالا
المنديل الاحمر، السيسي مثالا
جامعة نورثويسترين، منير وانعيني، فصل التداول
فيديو مبسط عن الماذا عن
عرض التعليقات
تحميل المزيد