هل سمعت تلك القصة العجيبة التي تحكيها طفلة صغيرة في أحد الإعلانات؟ «كانت هناك سمكة ذهبية، تعيش وحدها». انتهت القصة! لديّ أيضًا قصة شبيهة، وكانت عن تلك المرة الأولى التي أشعر فيها بأن فتاةً ما تحبني، هكذا مرة واحدة: «تحبني»؟ كنت حينها في المرحلة الثانوية وكنت من البارزين في الأنشطة الثقافية ومن المتوسطين في تحصيل الدرجات، كنت ألقي القصائد في الإذاعة المدرسية بشكل دائم، وكنت ألوذ بالمكتبة الفقيرة بالمدرسة بعد الحصص اللعينة.

هنا لاحظت تلك الفتاة التي كانت تأتي يوميًا أمام باب المكتبة وعلى بُعد أمتار منه تظل تتحرك بين الحين والآخر أمام الباب، ولم أكن أعير الأمر اهتمامًا فقد كانت ضمن الكثير من الطالبات اللاتي يذهبن إلى ذلك المكان أمام المكتبة لأنه كان مكانًا واسعًا نوعًا ما، حتى لاحظت تكرار الأمر، وأتذكر جيدًا ما كنت أقرؤه في ذلك اليوم، كنت أقرأ عن العدل في كتاب لا أذكر اسمه لكاتب لم أقرأ له بعد ذلك اسمه ياسين رشدي (لا أعلم لماذا لم أصادف له كتبًا بعد ذلك؟)، وكلما رفعت بصري ناحية الباب أراها واقفة تنظر إلىّ في تحدٍّ لخجلي وطبيعتي الانطوائية، وكانت فتاة عادية جدًا كملايين الفتيات، وكنت حينها أظن في نفسي نوعًا من الوسامة التي أذهبها الزمن حيث كنت أصفف شعري على تلك الطريقة الكلاسيكية الغريبة لعبد الحليم حافظ، وهو ما دعاني لأقول في نفسي جازمًا «هذه الفتاة تحبني»، هكذا؟ لمجرد أنها وقفت أمام باب المكتبة ترقبني؟ نعم.

ورغم أنني أقنعت نفسي أنها هي التي تحبني، إلا أنني أصبحت هائمًا على وجهي، أعيش في عالم خاص من الأحلام والمشاعر والتفكير، فقط لمجرد ظني أنها تحبني، ولست أنا الذي أحبها – هذا بتعريف الحب لدى طالب ثانوي – وبعد هذه المرة لم أرها بعد ذلك أبدًا! وتغيّر حالي وشحب وجهي وحزنت عدة أيام لاختفائها، انتهت القصة.

تلك القصة الساذجة حدثت لملايين الشباب والفتيات، نسميها حينها قصة حب، ونسمي الحالة حينها حبًّا، ربما لأننا لم نكن ندرك حينها الوصف الحقيقي لتلك المشاعر الطفولية فنبحث عن أكثر كلمة تعبر عن تلك الحالة المبالغ فيها فنقول «حبًّا»، ولكننا نكبر وندرك أن كلمة الحب أكبر من أن تكون وصفًا لتجربة كهذه، ونحن نكبر كلما مررنا بتجربة جديدة أطلقنا عليها حبًّا ونفينا الحب عن التجربة السابقة لها، وهكذا إلى أن نمر بتجربة حب في الجامعة فنقول هذا هو الحب، فنفشل أو ننجح، فنمر بتجربة حب أخرى، فنرتبط، فنقول هذا هو الحب، فنفشل أو ننجح، فنمر بتجربة أخرى تنتهي بزواج، فنقول هذا هو الحب، فننفصل أو ننجح، فنمر بتجربة جديدة… وهكذا كلما مررنا بتجربة تحرك مشاعرنا نبحث عن وصف مبالغ فيه فلم نجد أبلغ من وصفها بالحب.
الحب، هل هو فعل؟ أم اسم؟ أم حقيقة كونية؟ أم شيء مثالي؟ أم قاسم مشترك بين كل الأديان؟ أم مذهب؟ أم ظاهرة دماغية؟ هناك الكثير من الأجوبة ربما كلها خطأ وربما كلها صواب. لكن كل هذه مقارنات، طرق لتعريفه من خلال تناقضه، كأن نقول إنه أهم من كل الأشياء الأخرى، فهل هو كذلك حقًا؟ فهل الحب أكثر أهمية من شطيرتك المفضلة؟ هل هو أكثر أهمية من المسكن؟ أو من راتب نهاية الشهر؟ أو من وسيلة مواصلات تنقلك إلى عملك صباحًا؟ مهما تكن إجابتك، فإنك فقط تقوم بمقارنته، وليس بتعريفه.
يقول عنه ابن حزم في طوق الحمامة: «الحب أعزك الله، أوله هزل وآخره جد، دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة، وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عز وجل»، أما نيل جيمان الكاتب البريطاني فيقول: «هل وقعت من قبل في الحب؟ كم هو فظيع؟ إنه يجعلك أكثر ضعفًا، حيث تفتح صدرك وقلبك لشخص آخر كي يدخله، ليورطك ويسبب لك الفوضى ويفسد عليك حياتك».
ربما يكون الحب أحد أكثر الأشياء التي تم التفكير فيها في كل تاريخ البشرية، وعلى الرغم من الهوس في محاولة فهمه قرونًا تلو قرون فإنه لا يزال يربكنا. البعض يقول إنه شعور، عاطفة سحرية، شعور ما تجاه شخص لم تشعر به تجاه أحد من قبل، ولكن المشاعر مائعة، ليست أرضية صلبة لتعريف الحب، بدليل أنك أحيانًا تكره الشخص الذي تحب نتيجة لتصرُّف ما، وربما كان الحب هو كل هذه الأشياء وقد لا يكون أيضًا أي شيء مما نعرف، ربما يكون الحب تجربة شخصية، لغزًا شخصيًا، سرًّا عميقًا، شيئًا طبيعيًا يبعث الراحة في جهازك العصبي، تفاعلًا في دماغك يجعلك تنتشي، ربما ندمن على هذه النشوة والسعادة! أو أنه إدمان لشخص ما، تمامًا كما يدمن الإنسان المخدرات.
وربما يكون الحب مجرد الطريقة الأفضل للحمض النووي البشري ليعيد إنتاج نفسه، وهناك عدة فرضيات بالنسبة لكل سلوك بشري حميمي، من الكيفية التي نفكر فيها بالشريك المحتمل، إلى الطريقة التي نذوب بها في أطفالنا وطريقة تربيتنا لهم وتعاملنا معهم واحتضاننا لهم. لذلك يعتقد البعض بأن المشاعر التي تعتقد أنك تشعر بها في روحك هي مجرد الطريقة البيولوجية لحفظ نوعنا. وكأن الطبيعة قد اختارتك لتُعجب بالفاتنات، كما تجعل ذكور القردة يعجبون بإناث القردة، لتستمر الحياة.
ذلك الصرح العظيم المسمى بالحب الذي نختزله في مجرد دبدوب أحمر محشو من الداخل بعلاقات متوترة تكاد تنقطع وقلوب متقطعة منكسرة من الأذى، وهو أكبر من هذا الدبدوب اللعين الذي يستخدمه الجميع للتعبير عن الحب. ومن الحقائق الثابتة أنه لم يكن هناك شخصان متطابقان في مليارات البشر، وكذلك فليس هناك حب لشخصين بنفس الطريقة، فالكل متفرد في حبه، وكذلك الحب متفرد في ذاته. هناك الكثير والكثير للحديث عنه بخصوص الحب، ولكن ينبغي على المحبين الانفتاح والمصارحة والاستماع وترك الدبدوب والتركيز على قلب صاحب الدبدوب، وإلا فلن تدوم العلاقة طويلًا. الحب دائمًا موضوع للنقاش وهو بالتأكيد يُخلق كل لحظة، وإذا كنا لا نزال لا نستطيع تعريفه، فذلك يعني أننا لا نزال نصنعه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد