ينشط الأطبّاء والباحثون في علاج الأمراض والكائنات الطفيلية التي تدخل الجسم بهدف الفتك به، وكلما تعرّض الإنسان لأجواء مشحونة بهذه الطفيليات ازدادت نسبة إصابته بالمرض الناجم عنها. تكرار ظاهرة انتشار الأمراض وارتباطها بتكوين جسم الإنسان، جعل الناس عبر مختلف الأزمان تقوم بما يمكن وصفه إنشاء مراكز أبحاث طبية تهدف إلى علاج الأمراض ومحاربة انتشارها والبحث عن كل وسيلة من شأنها مساعدة الناس في هذا الخصوص.

مع تقدّم عمر الإنسان ونتيجة لممارسته الأنشطة المختلفة، تبدأ بعض العوالق الضارة في الدم بإعاقة عمل الجسم وأجهزته الحيوية المختلفة نتيجة الترسبات، ولذلك تُستخدم الحجامة علاجًا في حالات كهذه. تتمثّل الحجامة في استخراج الدم الفاسد من جسم الإنسان عبر كؤوس تثبّت على الجلد، حيث يقوم المختص بسحب الدم الفاسد عن طريق شفط الهواء الموجود داخل الكأس لكي يخرج الدم الفاسد المترسب تحت الجلد من خلال جروح صغيرة في مواضع الألم والإصابة التي يحددها المختص.

الأمر سيّان عند الحديث عن الأمراض التي تصيب العقل والأفكار المدسوسة التي تهدم بنيانه السليم المتزن الذي يؤهله لإتمام دوره وعمارة الأرض. وتزداد نسبة تعرّض الإنسان  لأفكار كهذه كلما تواجد في بيئة تحتضن هذه الأفكار الفتاكة، ولذلك كان لا بدّ من حجامة العقول. حجامة تعالج الترسبات الفكرية التي لا يكون صاحبها واعيًا لها في البدء، وتزداد ترسباتها ألمًا وخطورةً حتى تصير إلى مرضٍ فتاكٍ يمنع صاحبه من تأدية دوره المنوط به.

حجامة العقول تحتاج مقرّين للعلاج حتى تُسترج تلك الآفات الفكرية، فمقرٌ يكمن في عقلك يعالج أمراضه بنفسه كما يفعل الجسم في الأمراض الصغيرة، ومقرٌ آخر يلزم لإعطاء المضادات والأدوية الحيوية والتطعيم من الأمراض المنتشرة وكذلك المحتملة.

مقرّك الداخلي يبدأ بتوسيع مداركك وثقافتك لما يجري حولك، وهنا يتمحور الأمر حول قراءاتك ومتابعتك للأحداث والمستجدات والقضايا المهمّة التي تريد أن تشكّل وعيك حولها، حتى يتم معالجتها في مقرّك الداخلي الذي تشكّل قناعاتك وثقافتك أدواته الأساسية في تصوّر الأمور وتحليل المستور. يتمثّل تجسيم هذا المقر في مكتبتك الخاصّة التي تجتبي إليها أطيب الثمرات الفكرية النافعة. يجب أن يكون هذا المقرّ صاحب حصة من وقتك تنظّمه وتزوره بشكل دوريٍّ حتى تحقق أفضل النتائج المرجوّة، وأن لا تزوره فقط عند حدوث الأعراض والأمراض.

أما عند الحديث عن المقرّ الذي سيعطي المضادات الحيوية والأدوية والتطعيم ضد ما يعترض أفكار الناس من خرافاتٍ وأوهامٍ ودسائس فكرية، فهذا المقر يتمثّل في كُتّابٍ وعلماء حقيقيين، يجعلون مدادهم سيفًا لاقتناص المنفعة واجتثاث المفسدة، لا تحقيق شهرةٍ زائفةٍ بأفكارٍ تافهةٍ لا تسمن ولا تغني من نهم. كذلك من مكونات هذا المقر الثاني، مراكز أبحاثٍ وعلومٍ حقيقيّة تعالج القضايا المركزية المهمة، حيث تكون النتائج المنشورة ناجمةً عن دراسةٍ وتمحيصٍ للحالة التي يجري مجابهتها ومعالجتها. كما تجدر الإشارة إلى أن أهميّة هذه النتائج والدراسات لا تكمن في نشرها والاطلاع عليها من العامّة فقط! والانتشاء بها في ندوات ومؤتمرات دوليّةٍ نجمع العلماء فيها لكي نلتقط الصور ونتبادل شهادات التقدير والتبريكات (مع عدم إلغاء  مظاهر مثل هذه تقديريّة للمساهمين) بل يجب أن تكون هذه الأبحاث والدراسات مأخوذة بعين الاعتبار في دوائر صنع القرار والتخطيط التي من المفترض أنه قد عُيّن فيها موظفون حريصون على المصلحة العامة ومنفعة الأمّة لا نفع شخوصهم ومصالحهم الضيّقة.

اكتمال العلاج بهذه الطريقة وقيام الكلّ بالدور المنوط به والموكل إليه في شتى المواقع ومختلف المسؤوليات، سيضمن معالجة الأمراض السابقة والحالية التي فتكت بعقول الناس وبجسم الأمّة عمومًا وأنهكته لسنين طوال، كما سيحول دون تمكّن الأمراض القادمة الجديدة من دخول هذا الجسم الذي يخشى نهوضه منافسون كثر.

تجدر الإشارة إلى أن جزءًا من مراحل الحجامة هو موجودٌ بالفعل، وذلك حتى لا تظهر الصورة سوداويّة جدًا، بل ويمكن البناء عليه والمضيّ نحو اجتثاث ما تبقى من الورم الفكري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد