حدثتني صديقتي منذ فترة عن كتاب فن اللامبالاة ولم أعط أي أهتمام.

وكي أكون صريحة فكرت لبرهة: هل اللامبالاة فن؟!وهل اللامبالاة تحتاج لكتاب؟! وكان جوابي على نفسي أعتقد أنه هراء، ولم أهتم.

في الآونة الأخيرة انتشر فيديو لفتاة صغيرة تتحدث بمنتهى البساطة وبهدوء وهي تأكل، وكأنها مستمتعة بالحياة، وعندما سألها المذيع «أنتي بتاكلي.. مش خايفة تتخني؟!» أجابت بكل ثبات وهدوء يحفه اللامبالاة

«ما تأخدلك واحدة» مع ابتسامة منها، وكان الأمر مضحكًا للجمهور، مما جعل من انتشار الفيديو أخذه مثالًا لمواقف عديدة نقوم بها دون مبالاة. ومن هنا بدأت رحلتي مع اللامبالاة، والبحثْ فحقًّا هو فن، ولكن ما يدور بعقلي هل هو فن مفيد؟ أم ضار؟!

أجد صديقتي التي لا تهتم ولديها لامبالاة من آراء الناس بها تعيش براحة وسعادة. والأخرى التي تأكل لأنها تجد سعادتها في الأكل دون اهتمام لوزنها يضرها هذا من وجهة نظري، ولكن لا يشكل أي شئ لها.

ونجد من لديهم لامبالاة تجاه الدراسة يكون الفشل مصيرهم، وذلك الشاب عندما لا يبالي بما تهتم به حبيبته يخسرها، فحقًّا إنه فن مغري للاكتشاف. فهيا بنا نكتشفه سويًّا.

ما هي اللامبالاة؟! اللامبالاة حسب علم النفس هي حالة وجدانية سلوكية، معناها أن يتصرف المرء بلا اهتمام في شؤون حياته أو حتى الأحداث العامة كالسياسة، وقد يكون هذا في غير صالحه أو في صالحه، مع عدم توفر الإرادة على الفعل وعدم القدرة على الاهتمام بشأن النتائج.

جاء آخرون من علماء النفس وقالوا: هي قمع الأحاسيس مثل الاهتمام والإثارة والتحفز أو الهوى، فاللامبالي هو فرد لا يهتم بالنواحي العاطفية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو أي شيء بالحياة.فكما يقول المثل الشعبي: «كله عنده خبر خير».

مفهوم اللامبالاة أصبح أكثر شهرة بعد الحرب العالمية الأولى بسبب ما سمي بـ«صدمة القذيفة»، حيث الجنود الذين كانوا يعيشون في الخنادق وسط القصف والنيران، والذين شهدوا ميادين معارك مع القتلى وضعت فيهم شعور اللامبالاة وفقدان الحس.

وقال الفيلسوف روبرت مينارد هاتشينز أوضح أن موت الديمقراطية هو بسبب اللامبالاة السياسية.

كما قال الدكتور النفسي روبرت مارين إن اللامبالاة ممكن اعتبارها عرضًا أو متلازمة أو مرضًا.

ولكن كيف اكتُشفت اللامبالاة وكيف أطلق المصطلح هذا؟! أول من أنشأ مصطلح السلبية أو اللامبالاة هم الرواقيون: انطفاء المشاعر بسبب سيادة العقل.

جاء بعقلي سؤال آخر من هو اللامبالي؟ وكيف أصف شعورًا وأتيقن بأنه لامبالاة؟!الاستخفاف بمشاعر الآخرين أو باهتماماتهم الثانوية كالطموح والآمال والهوايات الفردية، أو المشاعر العاطفية المختلفة كالحب والكراهية والخصام والحسد وغيرها.

إذ إن اللامبالي لا يجد أي فرق بين كل تلك المشاعر، وإن كان لا يُظهر هذا.

وهل عُرفت اللامبالاة في الأديان؟! في المسيحية دخلت اللامبالاة الفكر الديني على يد كلمنس ألكسندروس الذي اعتمد المصطلح للتعبير عن الازدراء من جميع الشواغل الدنيوية، حالة من إماتة الجسد، كما يصف الإنجيل.

فهل للامبالاة من أسباب؟ كي نكون صرحاء فهي من الممكن اكتسابها من المنشأ، من الطبيعية وبيئة التعامل. أو قد يكون هذا التصرف من جراء عدم قدرة المرء على حل المشكلات التي تواجهه أو ضعفه أمام التحديات.

ولكن تتعدد الأسباب من عضوي إلى نفسي إلى اجتماعي. فلنأخذ رحلة في هذه الأسباب والعوامل.

أولًا: العامل العضوي

اللامبالاة ترتبط مع العديد من الظروف الصحية، ومنها:

1- التعب العام.

2- قد تكون كنتيجة جانبية من بعض الأدوية واستعمال الكحول والمخدرات الثقيلة، مثل الهيروين والكوكاين.

3- من أعراض مرض الزهايمر، أو انفصام الشخصية، وغيرها من الأمراض.

4- الاكتئاب فهناك علاقة طردية بين الاكتئاب واللامبالاة.

ثانيًا:- العامل النفسي

1- تعد اللامبالاة آلية من آليات التي تدافع بها الأنا عن ذاتها حيث تقترن مع الهروب من الواقع إذا كان الواقع مليئًا بالمشاكل التي تكون فوق القدرة.

2-الحرمان:- فعلى سبيل المثال عندما يتعرض الفرد للحرمان من شيء تظهر لديه ميول عدوانية على المجتمع تتمثل أحيانًا في اللامبالاة.

3-عدم الثقة بالنفس:- فعادة يكون تقدير الذات منخفضًا أو معدومًا فيشعر بأن لا قيمة له في المشاركة، ومن هنا تنشأ اللامبالاة.

4-التعرض لأحداث متعبة ومجهدة، ومن كثرتها يلجأ الشخص إلى اللامبالاة.

حيث تقول نظرية مرحلة الطفولة المبكرة عند إريك أريكسون: من 18 شهرًا إلى ثلاث سنوات صراع بين التحكم الذاتي في مقابل الخجل وتنتج ضبط النفس، الشجاعة، الأرادة دورًا في اللامبالاة.

ثالثًا:-العامل الاجتماعي

1- في كثير من الأحيان، تحدث اللامبالاة بعد أن يشهد الفرد ضغوطًا أو صدمات نفسية كبيرة كالقتل والحرب.

2-الغربة:- يلعب الاغتراب، وهو شعور الفرد بعدم انتمائه للجماعة دورًا مهمًّا.

كل هذا وحديثنا عن اللامبالاة مما تشكله على الفرد من آثار سلبية، من فقد الشغف، وعدم الاهتمام، وعدم النجاح، وفقد القدرة على التواص، وقد تظهر ميول عدوانية.

فهل للامبالاة من فائدة؟!نعم، فهيا بنا نأخذ رحلتنا مع كتاب فن اللامبالاة والذي كشف لنا عن ساتر مخفي من إيجابيات اللامبالاة.

النصيحة الأولى بكتاب فن اللامبالاة:- لا تحاول

وبها يوضح الكاتب أن النجاح يأتي عندما تكون مرتاحًا لنفسك ومع نفسك، لا أن تحاول إرضاء أحد. اللامبالاة كانت وسيلة إبداع أكثر ممن يحاول السير في طريق النجاح التقليدي.

فالكاتب يحاول أن يجعلك تهتم بالأشياء التي تستحق أن تهتم بها. اختر معاركك والأشياء التي تريد حقًّا أن تفعلها، ولا تجعل أي شخص يحدد لك ما هو المهم.

النصيحة الثانية:- السعادة مشكلة.

وبها يوضح الكاتب أن الرضا هو أهم شىء. أعظم الحقائق في العالم هي التي تسبب أكبر قدر من الإحباط لكن هذه هي الحياة، فلا تعتبر تحقيق طموح زائل يدمر رضاك عما لديك فعلًا. فالسعادة لا تتحقق عند وصولنا لشيء معين إلا بالرضا.

النصيحة الثالثة:- أنت لست مميزًا

كونك تحب نفسك وتعتقد أنك مهم لا يعني أنك مهم، فأنت لن تكون بيل جيتس لمجرد أنك تعتبر نفسك في ذكاء بيل جيتس. يجب أن تكون سعيدًا بالشيء الذي لديك فعلًا بالمهارة التي تملكها حقًّا وليس ما تتخيله عن نفسك.

النصيحة الرابعة:- أهمية المعاناة

وبها يوضح الكاتب التفكر بشكل مختلف، وستجد الأمر من زاوية أخرى تمامًا، عندها لن تشعر بالمعاناة كما كنت في السابق.

فعندما تجد نفسك في حالة ضيق من شيء ما، توقف للحظة وفكر «لماذا هذا الشؤء يضايقني؟». وغالبًا سيكون بسبب فشل ما. فماذا لو كان هذا الفشل ليس فشلًا حقًّا. ربما يكون نعمة خفية وأنت لا تدري بها.

النصيحة الخامسة:- أنت دائمًا تختار.

وبها يوضح الكاتب عدم محاولة الهروب من المشاكل؛ فالهروب من مشكلة تظنها صعبة يمكن أن يؤدي بك لمشكلة أكبر منها بكثير. والحل إذن غيِّر طريقة تفكيرك، حاول أن تقنع نفسك دومًا بأنك المسؤول عن كل ما يحدث لك، وأنك من بإمكانه تغيير ظروفك. تشجع ولا تبالِ. المهم أن تحاول حل مشاكلك بنفسك وستجد أن اختياراتك أفضل عند الشعور بالمسؤولية.

النصيحة السادسة:- أنت مخطئ والناس مخطئون.

وبها بوضح الكاتب أنه لا توجد فلسفة صحيحة 100%، فلا تتشبث برأي، ولا تتعصب لرأي. الأفضل أن تفصل مجموعة من القيم والآراء الخاصة بك أنت. والحذر من التصديق الأعمى وإلا ستكون كشخص لا يؤمن بالموت فمات مصدومًا حزينًا. لذا لا تحاول أن تجعل هدفك هو إيجاد الإجابة الصحيحة المطلقة، فكل شيء خاضع للتغيير. ولا تحاول حل مشكل الكون فلست المسئول عنه.

النصيحة السابعة:- الفشل الطريق للأمام

وبها يوضح الكاتب أن العمل تحت ضغط لن يفيد، والخوف لن يفيد، لا تهتم فأنت ستنجح لو لم تخش الفشل. النجاح في أي شيء سيكون مبنيًّا على قطع صغيرة منفصلة من الفشل.

لا تفكر طويلًا بل فكر جيدًا وقم بما تحب أن تعمل ولا تنتظر اللحظة المناسبة لأنها لن تأتي.

النصيحة الثامنة:- أهمية كلمة لا

وبها يوضح الكاتب أن لا المباشرة دون حرج أفضل من المجاملات الكاذبة فلا نخش قولها.

قول «لا» هي أنك ستعرف أولًا بأول ما حدودك وحدود الناس، فلن يكون هناك مساحة لموقف يضايقك ثم يقول لك شخص ما «عذرًا هل أضايقك» بينما أنت تغلي غضبًا.

النصيحة التاسعة:- ثم تموت

وبها يفيد الكاتب بأنه يوجد حقيقة وهي الموت نتجنب التفكير بها. فيجب أن نكون صادقين مع أنفسنا.

ولكنها نهاية حتمية. فمن مميزات الموت أو الجانب المشرق للموت كما يقول الكاتب هو أن من يعلمون حقًّا أنهم سيموتون هم على الأغلب الأشخاص الذين يستطيعون الاستمتاع بالحياة حقًّا.. ومن يعرف كيف يتمتع بالدنيا فسوف يكون مستعدًا للموت بسلام وضميره مرتاح.

وبذلك نرى أن مارك مانسون أخذ في كتابه فن اللامبالاة كل نظريات التنمية البشرية وقلبها رأسًا على عقب. وأوضح أن الفشل واللامبالاة قد يكونا مادة خام للنجاح.

ولكن نعود مرة أخرى لمن يعانون من اللامبالاة وتؤثر سلبيًّا فيهم وفي من حولهم. هل يمكن علاجها؟ الإجابة بالطبع نعم.

فلنأخذ رحلة أخيرة مع العلاج.

لعلاج حالة اللامبالاة والسلبية اتباع الآتي:

1- الإيمان بالقدرات الذاتية.

2- الاستعانة بالحماسة على الشعور بفقدان الطاقة. وتنصح:

3- بالابتعاد عن التكاسل والكسل. فالكسل هو العدو الأول للنجاح، وبإمكانه قتل روح المبادرة.

4- الاستماع إلى الآراء الإيجابية التي تحفزنا.

5- الابتعاد عن المشاعر السلبية التي تعم علينا بالظلام وفقدان الحماس.

6-الاهتمام بالمهارات الصغيرة والكبيرة.

7- الابتعاد عن الشخصيات المتشائمة.

8-الاقتراب الدائم من الشخصيات التي تحث على الاجتهاد والعمل والتفاؤل.

9- التمسك بالحماس هي السبيل الأكيد للنجاح

10- اكتساب القوة والمرونة التي تجعلنا نتخطى الظروف والمشاكل دون التأثر بها.

وأخيرًا بعد انتهاء رحلتنا، يجب معرفة أنه يجب ألا  نقلل من القدرات ولا نسمح لأي شخص أن يقلل من قدرتنا لأن يؤدي إلى الفشل.

والنجاح والرغبة في الإنجاز تنبع من داخل الشخص نفسه، وإيمانه بقدراته، فكل إنسان له جوانبه الإيجابية والسلبية فلنركز على الإيجابية لتحقيق النجاح.

وبعد كل هذا تم الإيمان بأن الامبالاة فن. وشعار الحياة: «ما تأخدلك واحدة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد