أثارت واقعة إسقاط العضوية عن توفيق عكاشة في أعقاب لقاء جمعه بالسفير الإسرائيلي في القاهرة تساؤلات جادة حول طبيعة العلاقة بين القاهرة وتل أبيب، وهل ثمة تغير مرتقب في تلك العلاقة، أم أن الأمر لا يعدو كونه إبقاءً للعلاقة في إطارها الرسمي دون الشعبي لا سيما والنظام يحاول أن يقتات على قضية كتلك بما فيها من مغازلة لشعور العامة مع حالة الانسداد السياسي والتردي الاقتصادي التي تعصف بالبلاد.

 

لذا فمقالنا ما هو إلا محاولة لرصد جوانب العلاقة بين القاهرة وتل أبيب من أوجه عدة في أعقاب انقلاب الثالث من يوليو، لندرك حينها أن عكاشة ليس المذنب الأوحد، بل ثمة مذنبون آخرون.

 

إسرائيل وثورة يناير.. حين يتهاوى الحلم

 

اعتبرت إسرائيل ثورة الخامس والعشرين من يناير علامة فارقة في تاريخ العلاقة بمصر، وبأن حدثًا هائلًا كهذا ينذر بتحول دراماتيكي في العلاقة بين البلدين وعصف بالشراكة الإستراتيجية التي دشنتها كامب ديفيد – والتي وصلت إلى مرحلة «الكنز الإستراتيجي» في عهد المخلوع، بيد أنهم لم يتوقعوا الوصول إلى مرحلة «هدية السماء» في غضون سنوات ثلاث – لا سيما مع حالة الضبابية التي تحيط بالمشهد السياسي والصعود المرتقب للإخوان المسلمين آنذاك بكل ما لهم من إرث عدائي مع الدولة العبرية وإن اكتنفت خطواتهم بعض البراجماتية، فإسرائيل رأت أنها لا تملك رفاهية الوقت لانتظار ما ستفرزه الثورة من نخب سياسية، وأن لزامًا بات عليها التحرك لإنقاذ مستقبلها الذي بات على المحك.

 

ولعل إرهاصات هذا الأمر قد لاحت حين أصدرت لجنة الشؤون العربية بمجلس الشعب قرارًا بدعوة الحاكم العسكري آنذاك – المشير طنطاوي – باعتبار إسرائيل هي العدو الرئيسي لمصر، وأن دولة الاحتلال تمثل التهديد الأكبر للأمن القومي المصري، في خطاب اعتبره مراقبون تغيرًا لافتًا على مستوى الخطاب السياسي، وإيذانًا بأن القادم أصعب على تل أبيب، فضلًا عن وقائع أخرى كاقتحام السفارة الإسرائيلية والتفجيرات المتكررة لخط الغاز الموصل لإسرائيل.

 

فالتشكك الإسرائيلي في ثورات الربيع العربي كان انطلاقًا من أن حراكًا كهذا لن يفضي إلا إلى هيمنة الحركات الإسلامية على صناعة القرار لا سيما مع عدم جاهزية البديل السياسي، وأن أمريكا والغرب ربما يدفعان بصَمْتِهم هذا المنطقة إلى إيران أو حماس أخرى!

 

في كتابهما «إسرائيل.. مستقبل يكتنفه الغموض» للباحثين البلجيكييْن المتخصصيْن في الشؤون الإسرائيلية «ريتشارد لاوب» و«أوليفيا بركوفيتش» خلصا فيه إلى أن ثورات الربيع العربي وصعود الإسلاميين من أهم العوامل التي تجعل مستقبل الدولة العبرية في مهب الريح، وأن على قادة إسرائيل التعاطي مع مخرجات الربيع العربي إن أرادوا تأمينًا لمستقبلهم.

 

تجاوزت إسرائيل الأمر من مجرد التشكك في ماهية الربيع العربي والتحذير من المستقبل، إلى اتخاذ تدابير فعلية ممثلة في محاولة صناعة نخبة سياسية بديلة للإسلاميين ولا تجد غضاضة في التعاطي مع تل أبيب والتماهي مع مواقفها في المنطقة، بل دعا «بنيامين نتنياهو» إلى تأسيس صندوق دولي لدعم خصوم الإسلاميين في العالم العربي على غرار «خطة مارشال» والتي نفذتها أمريكا في أعقاب الحرب العالمية الثانية دعمًا لدول أوروبا الغربية.

 

في دراسة هامة للباحث البارز «صالح النعامي» بعنوان «إسرائيل وفزاعة الإسلاميين» أوضح خلالها مفهوم الاستقرار الذي تصبو إليه إسرائيل – والذي قوض عبر الربيع العربي – على لسان الكاتب الإسرائيلي البارز «جدعون ليفي» قائلًا:

«إن الإستقرار الذي تنشده إسرائيل يشمل الإبقاء على عشرات الملايين من الفقراء في مصر في حين تواصل عائلة الحكم التمتع بثروة قوامها مليارات الدولارات، الاستقرار يعني تضخم أجهزة الأمن التي كل ما يعنيها الحفاظ على نظام الحكم وغض الطرف عن الصحة والتربية والتنوير والرفاه الاجتماعي، الاستقرار يعني سلطة سياسية وراثية تنتقل من الأب إلى الابن وانتخابات مزورة لا يجوز فيها التنافس، إسرائيل معنية بهذا النوع من الاستقرار ولو عبر استمرار الحرب الأهلية في العالم العربي أو في ظل تعاظم مظاهر الفساد».

 

أعتقد أن بعد وضوح كهذا، تأكدنا ممن يحرك بوصلة القاهرة.

 

إسرائيل والثالث من يوليو.. مع الحلفاء ذلك أفضل

 

«إن الجنرال عبد الفتاح السيسي هو بطل إسرائيل، وفي إسرائيل لا يوجد ثمة جدل حول هذه المسألة، فكلنا مع السيسي، كلنا مع الانقلاب العسكري، كلنا مع الجنرالات حليقي اللحية».

 

كان هذا جانبًا من مقال للكاتب الإسرائيلي البارز «آرييت شاميت» مبرزًا فيه جانبًا من مظاهر الاحتفاء العارمة للنخب الإسرائيلية بما أقدم عليه السيسي في الثالث من يوليو.

 

ينطلق الموقف الإسرائيلي من النخب الحاكمة في مصر في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد – لا سيما بعد الخامس والعشرين من يناير – من منطق مفاده أن احتفاظ العسكر بمقدرات الأمور في مصر يمثل مصلحة قومية لإسرائيل وأحد دعائم أمنها القومي، وأن الإخلال بصلاحيات كهذه هو ضرب لتلك المصالح في مقتل وتقويض للأمن القومي الإسرائيلي، حتى مع وجود نخب مدنية حاكمة يجب أن يكون للجيش وفقط الصدارة لإلمامه التام بقواعد كهذه وإدراكه أن ثمة مشروعية أخرى بعيدًا عن إرادة الشعوب، نعم هناك من تل أبيب.

 

لذا، فنخبة ما بعد الثالث من يوليو مثلت توليفة سحرية يمكن من خلالها صون تلك المصالح الإستراتيجية والحيلولة دون أية مقامرات ربما تعصف بها، لا سيما مع حالة التوافق الأيديولوجي بين تلك النخب والمعادية بطبعها للإسلاميين، فالجيش قد تدخل بمنتهى الخشونة السياسية حين ارتأى أن قواعد اللعبة قد اختلت، وأن مفاهيم كالممانعة والولاء باتت محل تساؤلات عدة.

ففي أعقاب الانقلاب مباشرة هرعت إسرائيل – مستغلة علاقاتها الدولية – لتأمين تمرير الانقلاب والخروج به من حالة العزلة الدولية آنذاك، وإعلانهم بأن قطع المساعدات الأمريكية عن القاهرة يمثل مساسًا بالأمن القومي الإسرائيلي، بل وصل الأمر ذروته حين طالبت بعض النخب الإسرائيلية الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» بتغيير القانون الأمريكي لضمان استمرار الدعم العسكري لمصر لا سيما والقانون يحظر ذلك باعتبار أن ما حدث كان انقلابًا عسكريًّا على رئيس منتخب وإن لم نبادله الود.

 

ولعل ما يجد ذكره في هذا السياق، هو توصيات أصدرها مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي – والذي يعتبر من أهم مراكز الأبحاث في إسرائيل – بشأن وسائل دعم الانقلاب في مصر، والتي تتلخص في ضرورة تشجيع المستثمرين الأجانب للحيلولة دون حالة من التردي الاقتصادي التي ستعصف بحكم الحلفاء في مصر، مرورًا بالضغط على الولايات المتحدة الأمريكية لدفع دول الخليج لتأمين الحاجيات الاقتصادية للنظام في مصر، وانتهاءً بالتقرب من الحركات الشبابية – ذات التوجه العلماني في مصر – والتي كانت ذات مشاركة فعالة في الخامس والعشرين من يناير.

 

إلى الآن يبدو أن حديثنا لا يراوح إطاره النظري، إلا أن سطورنا القادمة ستكشف بما لا يدع مجالًا للشك بأن العلاقة بين نظام الثالث من يوليو في عهدها الذهبي وعلى أصعدة عدة.

 

التنسيق الأمني بين مصر وإسرائيل

 

على المستوى الميداني تم تجاوز اتفاقية كامب ديفيد حيث حدث قدر من التفاهمات غير المعلنة بين البلدين أفضت إلى تجاوز القيود حول عدد ونوعية القوات المصرية المسموح بها في سيناء، لدرجة دفعت بعض المصادر الأمنية في تل أبيب إلى النظر للتنسيق الأمني بين البلدين باعتباره شهر عسل بين القاهرة وتل أبيب، وباتت الطلعات الجوية الإسرائيلية في عمق سيناء مما هو معلوم من حياة السيناويين بالضرورة، حيث ترى الدولتان أن تنسيقًا كهذا من شأنه تقويض الجماعات المسلحة والتي تتخذ من سيناء مرتكزًا لها، ويستند هذا التعاون على شراكة إستراتيجية تتولى مصر من خلالها القيام بعمليات عسكرية مباشرة تجاه الجماعات الجهادية في سيناء، فيما تتولى إسرائيل تزويدها بالمعلومات الاستخبارية، ولخص أحد الباحثين الإسرائيليين حقيقة تنسيق كهذا بقوله:

«في حال كان هناك السيسي، فلا حاجة لمبارك».

 

تطويق حركة المقاومة الإسلامية حماس

 

في مقال تحليلي أبرزته صحيفة «جيروزاليم بوست» – في أعقاب العدوان الأخير على غزة فيما سمي بعملية الجرف الصامد – أوضحت أن ثمة تحالفًا مصريًّا-إسرائيليًّا تجاه حماس، وأن تحفظ القاهرة على العدوان لا يعدو كونه أمرًا ظاهريًّا فقط، حيث رأت الصحيفة أن القاهرة اعتبرت أن تل أبيب نفذت عملية لا تستطيع القاهرة القيام بها.

 

فالنظام المصري يرى في حماس امتدادًا لجماعة الإخوان المسلمين في مصر وأن ما جرى على الأصل لابد أن يسري على الفرع، وذلك رغم قيام حركة حماس بكل ما من شأنه الحد من انتشار الجماعات الجهادية في غزة حتى لا يتخذها النظام المصري ذريعة للهجوم عليها.

 

وبلغت الأزمة بين القاهرة والحركة ذروتها حين اختطفت السلطات المصرية أربعة رجال من حماس بعدما عبرت حافلتهم قطاع غزة نحو الأراضي المصرية، ولم تكتف السلطات المصرية بهذا بل عمدت إلى تفجير وإغراق الأنفاق – والتي تعتبر الشريان الرئيسي لقطاع غزة – تحقيقًا لحلم رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق «إسحاق رابين» وذلك وفق تصريحات منسوبة للقيادي في الحركة «مشير المصري» ما دفع صحيفة هارتس للقول بأن القاهرة باتت أكثر تشددًا تجاه حماس من القاهرة، ولم يكن الاتهام الأخير للحركة في اغتيال النائب العام سوى حلقة في إطار حزمة من الإجراءات تنتهجها القاهرة تجاه الحركة لنزع سلاحها وإعادة الإشراف حول قطاع غزة وفقًا لتفاهمات أمنية بين القاهرة وتل أبيب والسلطة الفلسطينية.

 

كل ذلك فضلًا عن حالة من الهجوم الضاري تشنها وسائل الإعلام المصرية على الحركة واعتبارها مصدرًا لكل الشرور.

 

واقتصاديًّا، تبدو العلاقات التجارية بين البلدين على ما يرام دون دراية من الجانب المصري بتبعات أمر كهذا على الأمن القومي.

 

ففي يوليو الماضي نشرت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية خبرًا عن اعتزام إسرائيل فتح مصنع في مصر يستوعب خمسة آلاف عامل وسط غموض يكتنف طبيعة النشاط الاقتصادي للمصنع، فإسرائيل ومع إدراكها لحالة الاحتقان الشعبي في مصر تجاه إجراءات كتلك تبنت سياسة الاستثمارات غير المباشرة عبر الشركات متعددة الجنسيات، ولعل صفقة بيع الشركة المصرية للأغذية «بسكو مصر» لشركة كلوجز العالمية والتي بها مساهمات إسرائيلية خير مثال على ذلك.

 

في الثاني والعشرين من أكتوبر من العام 2013 صرح سيلفان شالوم – وزير الخارجية الإسرائيلي – أن إسرائيل تدرس طلبًا مصريًّا بشأن تصدير الغاز للقاهرة مبديًا عدم ممانعة حكومته في تنفيذ طلب كهذا، وذكر موقع ذا ماركر الاقتصادي أن تحالف الشركات المسؤول عن حقل تمار الإسرائيلي وقع خطاب «نوايا» مع شركة «دولفينوس القابضة المصرية» لتوريد الغاز الطبيعي عبر أنبوب الغاز المملوك لشركة غاز المتوسط والذي كان يمر من خلاله سابقًا الغاز المصري لإسرائيل بأسعار بخسة كلفت الدولة عشرات المليارات لتتحول القاهرة من مصدر للغاز إلى مستورد له ووفقًا للأسعار العالمية.

 

ودبلوماسيًّا، لا تخلو العلاقة بين القاهرة وتل أبيب من دفء أصاب جوانب العلاقة الأخرى، فالسيسي وبعيدًا عن دعوته المبكرة بعدم السماح بتهديد أمن إسرائيل عبر سيناء، ودعوته أن تشمل اتفاقية السلام دولًا عربية أخرى، شرعت القاهرة في يونيو من العام الماضي في تعيين أول سفير لمصر في إسرائيل بعد ثلاثة أعوام، وأعقب هذا القرار لقاءات عدة لمدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية مع دبلوماسيين مصريين توجت بمراسم رفع العلم الإسرائيلي على المقر الجديد لسفارة تل أبيب في القاهرة، إضافة لتصويت مصر لإسرائيل لعضوية لجنة الأمم المتحدة للاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي، وانتهاءً بالمساعدة التي أبدتها تل أبيب للقاهرة فيما يتعلق بحادثة الطائرة الروسية، ليبدو النظام المصري وعبر حزمة الإجراءات تلك عازمًا على إحداث تحول لافت في العلاقات بين البلدين متجاوزًا بذلك كل الثوابت الدينية والسياسية ودواعي الأمن القومي.

 

قطعًا، فالذي حدث هو الجزاء الوفاق لعكاشة على فعلته، لكن ماذا عن كبير العكايشة. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد