إن الحديث عن كون جماعة الحوثي تمثل سلطة مترابطة ومنظمة على عكس حكومة الشرعية في المناطق المحررة ينصب في كون الحوثيين يمتازون بسلوكهم الذي يشبه سلوك الدولة الشمولية القاسية، وانتهاجهم لمنهج الدول الديكتاتورية، والتي تعتبر أحد النماذج السيئة للحكم، وفي نفس الوقت فإن الحديث عن دولة ديمقراطية يعتبر أمرًا غير عقلاني في ظل ما تمر به البلاد من حرب مستمرة لأكثر من ست سنوات، وفي المقابل إن حكومة الشرعية هي في وضع أسوأ بكثير من وضع جماعة الحوثيين، حيث إنها تعيش حالة اللا دولة، فلا هي ديمقراطية، ولا شمولية، ولا دكتاتورية، ولا تحت أي تصنيف من تصنيفات الدول في العلوم السياسية.

تهدف الدولة الشمولية لجعل كل سكانها يعتنقون نفس الثقافة التي تنتهجها السلطة ونمتاز بالقوة والصرامة ويعاب عليها قوة التحكم، ليس في السياسة فقط، إنما بالاقتصاد، لذلك فمتوقع أن تستحوذ نخبة معينة على مفاصل المؤسسات الاقتصادية بالقوة، وهو الوضع الذي تتجه إليه المناطق القابعة تحت حكم الحوثيين؛ مما يؤدي إلى انكماش الاقتصاد، وزيادة معدلات الفقر، وثراء النخبة على حساب البسطاء الذين مصيرهم الموت جوعًا أو الذهاب إلى المعارك الطاحنة.

لكن في المقابل إن حكومة الشرعية الدولية تعيش وضعًا أسوأ من خصومها كونها لم تنتهج أي شكل من أشكال الدولة، فهي تعيش حالة من الفراغ السياسي، والتشتت في صناعة القرار، فلا هي مؤسسات، أو نظم تمتلك صلاحيات كما كان وضع اليمن سابقًا من حيث وجود نخبة حاكمة سلطوية وقمعية تتكون من السياسيين، والقبائل، والعساكر، وخدام ولي الأمر، والتي تصنع القرار في البلاد كما كان يفعل الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وبعض مقربيه آنذاك، لذلك يتجلى الشتات والضعف بكل وضوح في الحكومة الشرعية.

كل فراغ سياسي يؤدي إلى ظهور مكونات وجماعات سياسية تحل محل ذلك الفراغ، وهنا لا مشكلة في ذلك، ولكن تكمن المشكلة في تتطور تلك الجماعات والمكونات الصغيرة لتكون ندًا للدولة وتقوم ببعض وظائفها مما يشكل عبئًا وتحديًا عليها في ممارسة مهامها والمشكلة الأكبر في تعارض توجهات الأطراف المستجدة في الساحة السياسية على مستوى علاقاتها الدولية، فضلًا عن كون تلك المكونات تكون وكيلة لمشاريع سياسية دولية ناهيك عن كون الموكل في علاقات غير مستقرة مع الحكومة بالإضافة إلى وجود أزمة هوية بين تلك المكونات.

لذلك فاقم ظهور مثل هذه المكونات المستحدثة والقديمة المشكلة أمام الحكومة الشرعية وجعلها تواجه أزمة تغلغل، أي عدم قدرتها على الانخراط، والنفاذ إلى كافة أنحاء المحافظات التي هي تحت سيطرتها، بحيث يصعب الوصول إلى المجتمع؛ مما يعرقل تنفيذ السياسات المرسومة فتنفيذ الحكومة لسياسات ذات مغزى يتوقف على قدرتها على الوصول إلى مستوى القرية، ولمس الحياة اليومية للمواطنين.

وضع اللا دولة ساهم أيضًا في ظهور ما يسمى بجماعات الضغط، والتي لم تعد تمارس الضغط بطريقة تخدم مصالحها فقط، إنما أيضًا تهدم الدولة على حساب مصالحها، كسيطرة شركة طيران واحدة على الأجواء في البلاد، وكذا الشركات المستوردة للنفط، وملاك شركات الطاقة يمارسون نفس الدور وبطريقة بعيدة عن المهنية، ومخالفة للقوانين والأنظمة، وكان ذلك سبب وجود أزمة شرعية تعاني منها الحكومة – ففي العلوم السياسية – تحدث أزمة الشرعية عندما يستمر الهيكل التنظيمي في الاحتفاظ بالسلطة القانونية التي يتم من خلالها الحكم، ولكنها لا تكون قادرة على أداء الوظائف العملية لها تفي بالأغراض التي تم تأسيسها من أجلها، أي أنها غير قادرة من فرض سلطتها على مثل تلك الجماعات، كما أنه أيضًا يتسم الموظفون في الحكومة بسبب أزمة الشرعية بعدم العناية فيما يتعلق بسمعة الحكومة ومصالح الدولة، وهو ما يؤدي إلى ظهور أزمة ثقة شعبية من جهة وثقة الشركات الاستثمارية من جهة أخرى، وكل ذلك انعكس سلبًا على النظام السياسي، وجعل الحكومة اليمنية مشلولة عن أداء مهامها ووظائفها كدولة، وهو ناتج عن عدم اهتمامها بما يجب أن يكون في شأن المواطنين الاقتصادي والسياسي، وينصب اهتمامها في تمييع الحرب، وإبقاء الوضع على ما هو عليه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد